مقالات وآراء

“قُتلت مرتين.. صرخة فتاة ‘حجة’ التي كسرها القضاء وخذلها السند فأجارها الموت”

كتب: صادق العربي

 

لم يكن السقوط من فوق سطح المنزل في “المحابشة” مجرد ارتطام بجسد نحيل بالأرض، بل كان ارتطاماً لضمير مجتمع بكامله، وإعلان وفاة لكل الشعارات التي تتغنى بحماية الإنسان.

 

انتحار فتاة “حجة” لم يكن قراراً بالرحيل بقدر ما كان هروباً أخيراً من سجنٍ لم تفلح جدران المحاكم في فتحه، بل أحكمت أقفاله “باسم القانون”.

 

فتاة في مقتبل العشرين، في عمر الزهور والبحث عن المستقبل، وجدت نفسها مقيدة بزيجة من رجل مسن يكبرها بعقود، في صفقة لا يمكن وصفها إلا بأنها “انتهاك صارخ” لكل معاني الطفولة والحياة. حُرمت من مقاعد الدراسة، صُودرت أحلامها، وتحولت إلى “سلعة” في سوق المقايضات الاجتماعية التي لا تزال تنظر للمرأة كعبء يجب التخلص منه تحت مسميات “الستر” الواهية.

 

الصدمة الكبرى لم تكن في تعنت الزوج أو جهل الأب فحسب، بل في “المطرقة” التي نطق بها القاضي.

 

أي شرع وأي عدالة تلك التي تأمر “إنساناً” بالعودة قسراً لبيتٍ يراه قبراً؟ الحكم القضائي الذي قضى بإعادتها لزوجها لم يكن إنصافاً، بل كان “رصاصة الرحمة” التي أُطلقت على ما تبقى من أمل في روحها. لقد وضعها القضاء ووالدها بين خيارين: إما حياة كالموت تحت كنف رجل لا تحبه ولا تطيقه، أو موت يمنحها الحرية التي سُلبت منها في الحياة.. فاختارت الأخيرة.

 

إن المسؤولية هنا لا تقع على فرد بعينه، بل هي “جريمة مشتركة” يتحملها مجتمع لا يزال يقدس عادات بالية تبيح زواج القاصرات، وتشرعن بيع المستقبل مقابل دراهم معدودة.

 

تتحملها منظومة تشريعية يمنية ما زالت تترك ثغرات واسعة تمتهن كرامة المرأة وتعاملها كقاصر أبدي لا يملك حق القرار، ويتحملها الوعي الجمعي الذي يرى في انتحار الضحية “فضيحة” بينما يرى في قهرها “حكمة وقدراً”.

 

إن دماء فتاة حجة تصرخ اليوم في وجه الجميع: إلى متى سنظل أسرى لعقليات متحجرة تفرخ الكوارث؟ هل نحتاج لجثة جديدة في كل قرية لندرك أن المرأة إنسان كامل الحقوق، وليست ملكية خاصة يتم التصرف بها؟

إن الإنصاف لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بتغيير قوانين الغاب التي تشرعن القهر، وبثورة وعي تقتلع جذور التخلف من رؤوس الآباء والمشرعين على حد سواء.

 

رحلت فتاة “حجة”، لكن وجعها سيبقى وصمة عار تطارد كل من صمت، وكل من حكم، وكل من وقّع على عقد موتها باسم “الزواج”.

زر الذهاب إلى الأعلى