المصالحة الوطنية.. أساس وحدة الجنوب ومنطلق بناء مستقبله

بقلم/ اللواء علي حسن زكي
إن الحركات والمكونات الجنوبية التي تشكلت في مختلف مناطق الجنوب ومديرياته منذ أن حطّت حرب صيف عام 1994م الاحتلالية الغاشمة أوزارها في عاصمة الجنوب، عدن الأبية، ظلت أشبه بجزر متناثرة، على أهميتها كبذرة لشجرة مكونات الحراك التي تأسست لاحقًا. وقد بقيت هذه الحركات والمكونات كذلك لعدم تأسيس الكيان الجامع، فيما ظلت نضالاتها وتضحياتها مشتتة لعدم تأطيرها في بوتقة واحدة، بسبب غياب هذا الكيان الذي يضطلع بهذه المهمة.
وفي يوم 13 يناير 2006م، وبعد تواصل وتبادل زيارات بين وفود من أبناء لحج والضالع وردفان ويافع والصبيحة إلى مناطق أبين وشبوة، والعكس، انطلقت مسيرة التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي – الجنوبي من جمعية ردفان بالمنصورة، وعلى قاعدتها اندمجت هذه المكونات الفرعية في مكونات جنوبية، بدأت بالمتقاعدين ثم الشباب.
ودارت عجلة النضال السلمي الجنوبي يوم 7/7/2007م من ساحة العروض بخور مكسر في عدن، بما تحمله من رمزية وطنية باعتبارها عاصمة دولة الجنوب. وبالقدر الذي تواصل فيه النضال السلمي وشمل مختلف مديريات ومحافظات الجنوب، استمر أيضًا تأسيس هيئات ومجالس الحراك التي غطت جغرافية الجنوب، وصولًا إلى تأسيس المجلس الأعلى للجنوب، ثم تشكيل المجلس الانتقالي عام 2017م.
ومن هنا تبرز أهمية استكمال مسيرة التصالح والتسامح الجنوبي بالمصالحة الوطنية؛ فهي ليست الحلقة الرئيسية المكملة له فحسب، بل تمثل أيضًا آلية ترجمته إلى واقع ملموس، طالما أن صفحة الماضي لا تزال مفتوحة، وما زالت التباينات السياسية والجهوية ملموسة في الممارسة والسلوك، نتيجة عدم استكمال التصالح والتسامح بالمصالحة الوطنية. وهي، في الوقت ذاته، أساس وحدة الجنوب ومنطلق بناء مستقبله.
وتبرز أهمية هذه المصالحة أيضًا بالنظر إلى المستجدات الإقليمية والدولية، واستمرار تبادل الهجمات العسكرية في مضيق هرمز، واستخدام إيران لذراعها في اليمن لاستهداف منشآت نفطية في المنطقة، وكذلك استهداف سفن الوقود والطاقة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، والتلويح بإغلاق مضيق باب المندب.
كما تبرز أهميتها في ظل التقارب السعودي – الإماراتي، حيث بات كل ما تقدم ذكره يؤشر إلى إعادة بناء تحالفات جديدة، وإعادة تشكيل المشهد في المنطقة، ومكانة الجنوب فيه، بما يمتلكه من أهمية جيوسياسية وبحرية، وإطلالته على المنافذ والممرات المائية الإقليمية في بحر العرب وخليج عدن وباب المندب، من خلال جزيرة ميون، فضلًا عن إطلالة أرخبيل جزر سقطرى على المحيط الهندي والبحر العربي، بما يتيح استثمار هذه المقومات في تعزيز الشراكة الدولية والإقليمية، وتحقيق تطلعاته وأهدافه الوطنية.
إن كل ما استعرضناه لا يمكن أن يتحقق ما لم يستقم على الحوار، ووحدة الصف، وتأليف جبهة وطنية كإطار تنسيقي بين المكونات في الساحة، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، بحضوره السياسي وتأثيره الشعبي، وعلى قاعدة رؤية سياسية وطنية جنوبية جامعة، تحدد مهام الحاضر، وأسس بناء المستقبل، وإدارته بالشراكة التوافقية، وتحت سقف هدف استعادة وبناء الدولة الجنوبية، وإدارتها وفقًا لتلك المبادئ والمحددات، وبما يحقق مصلحة الجنوب أولًا وأخيرًا.