مقالات وآراء

تحول (دراسات في أدب الرسائل) من مجموعة دراسات إلى مشروع نقدي متكامل

بقلم: طه البحر

 

هناك كتب نقرأها مرة، ثم نضعها على الرفوف، لأنها قالت ما أرادت قوله منذ طبعتها الأولى، وهناك كتب أخرى لا تكتفي بالعودة إلى القارئ، بل تعود إليه وقد ازدادت نضجاً واتساعاً، حتى تكاد تتحول إلى مؤلفات جديدة. ومن هذا الصنف تأتي الطبعة الثانية من كتاب الدكتور مسعود عمشوش (دراسات في أدب الرسائل)، التي لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد إعادة نشر لكتاب سابق، بل بوصفها مراجعة شاملة لمشروع علمي أراد صاحبه أن يبلغه درجة أعلى من الاكتمال.

وليس من المبالغة القول إن هذه الطبعة تمثل نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الطبعات الجديدة للكتب الأكاديمية؛ فهي لا تكتفي بإصلاح ما فات، ولا بإضافة صفحات متفرقة، وإنما تعيد بناء الكتاب من الداخل، وتوسع أفقه المعرفي، وتمنحه وحدة منهجية أكثر إحكاماً. ولذلك يشعر القارئ منذ الصفحات الأولى أنه أمام كتاب يختلف، في روحه ورؤيته، عن صورته الأولى.

ولعل أول ما يلفت الانتباه هو أن المؤلف لم يشأ أن يبدأ كتابه مباشرة بالدراسات التطبيقية التي عرفها القارئ في الطبعة السابقة، بل رأى أن يسبقها بمقدمة مطولة، أقرب ما تكون إلى دراسة مستقلة، يناقش فيها تاريخ فن الرسائل، وتحولاته، ومستقبله في زمن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. وهذه المقدمة ليست تمهيداً تقليدياً، وإنما تمثل إعلاناً واضحاً عن الرؤية التي تحكم الكتاب كله؛ فالمؤلف لا ينظر إلى الرسالة بوصفها أثراً من آثار الماضي، بل يراها فناً قابلاً للتجدد، قادراً على التكيف مع الوسائط الجديدة دون أن يفقد جوهره الأدبي. ويخلص إلى أن تغير وسيلة التواصل لا يعني بالضرورة نهاية أدب الرسائل، لأن القيمة الأدبية لا تكمن في الورق والحبر، بل في الخطاب الإنساني الذي يحمله النص، وفي قدرته على التعبير عن التجربة الإنسانية مهما تبدلت أدواتها.

ومن هنا تبدو الطبعة الثانية وكأنها جاءت استجابة لتحول ثقافي واسع فرضته الثورة الرقمية. فمنذ سنوات، شاع الاعتقاد بأن البريد الإلكتروني، ورسائل الهواتف، ومنصات التواصل الاجتماعي، قد وضعت حداً لفن الرسائل كما عرفته الإنسانية قروناً طويلة. غير أن الدكتور عمشوش يرفض هذا الحكم المتعجل، ويطرح رؤية أكثر عمقاً، مؤداها أن الأجناس الأدبية لا تموت بمجرد تغير الوسيط، وإنما تتغير أشكال حضورها، وتعيد إنتاج نفسها وفق شروط العصر. وبهذا المعنى فإن الكتاب لا يقرأ الماضي وحده، بل يحاور الحاضر، ويستشرف المستقبل.

غير أن الإضافة الكبرى التي تمنح هذه الطبعة قيمتها العلمية تتمثل في الفصل الجديد الذي خصصه المؤلف لـ (أدب الرسائل في الثقافة العربية: النشأة والتطور وإشكاليات التجنيس)، وهو فصل يتجاوز العرض التاريخي المعتاد، ليؤسس رؤية نقدية متماسكة لفن ظل، على الرغم من حضوره الواسع في التراث العربي، أقل حظاً من غيره من الأجناس الأدبية في الدراسات الحديثة.

فالمؤلف لا يبدأ من أسماء كبار الكتّاب، ولا من استعراض الرسائل المشهورة، وإنما يبدأ من السؤال الجوهري: ما الرسالة؟ وكيف تطورت من مجرد وسيلة للتواصل إلى جنس أدبي مستقل؟ ولماذا ظل النقاد مختلفين في تصنيفها؟ ثم يقود القارئ، خطوة بعد أخرى، في رحلة طويلة تبدأ من الدلالة اللغوية لمفهوم الرسالة، وتمر بتطورها التاريخي، وتنتهي إلى مناقشة موقعها داخل نظرية الأجناس الأدبية الحديثة.

وتكمن قيمة هذا الفصل في أنه لا يكرر ما هو معروف في كتب تاريخ الأدب، وإنما يعيد طرح أسئلة قديمة في ضوء المناهج النقدية المعاصرة. فالمؤلف يناقش قضية التجنيس الأدبي من منظور حديث، ويرفض النظرة التقليدية التي تجعل الرسالة مجرد قالب يستوعب موضوعات مختلفة، ويرى أنها تمتلك من الخصائص البنائية والأسلوبية ما يجعلها جنساً أدبياً قائماً بذاته. وهو بذلك لا يقدم للقارئ عرضاً تاريخياً فحسب، بل يدعوه إلى إعادة التفكير في طبيعة هذا الفن، وفي علاقته بالسرد، وبالخطاب، وبالكتابة الإبداعية عموماً.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن هذا الفصل يربط بين التراث العربي والنظرية الأدبية الحديثة ربطاً متوازناً؛ فهو يستفيد من منجزات النقد المعاصر، دون أن يفرضها فرضاً على النصوص القديمة، كما يستحضر التراث العربي بوصفه مادة حية للحوار، لا مجرد موضوع للتقديس أو التكرار. وهذه سمة منهجية تستحق التقدير؛ لأنها تعكس وعياً نقدياً يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويبتعد عن الإفراط في النقل أو الانبهار بالمناهج الغربية.

ولعل هذه الروح هي التي تمنح الكتاب قيمته الحقيقية؛ فالمؤلف لا يدافع عن فن الرسائل بدافع الحنين إلى الماضي، وإنما يدافع عنه لأنه يرى فيه جنساً أدبياً ما يزال قادراً على إنتاج المعرفة والجمال معاً، وما يزال قادراً على الكشف عن جوانب من التجربة الإنسانية قد تعجز عنها أجناس أخرى.

ومن هنا، فإن القارئ لا يشعر بأنه أمام كتاب يتحدث عن الرسائل، بقدر ما يشعر بأنه أمام كتاب يدافع عن حق هذا الفن في أن يستعيد مكانته داخل الدراسات الأدبية العربية، بعد عقود طويلة انصرف فيها الاهتمام إلى الشعر والرواية، بينما بقي أدب الرسائل في الهامش، على الرغم من ثرائه الفني، واتساع حضوره في الثقافة العربية منذ القرون الأولى للإسلام.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الطبعة هو أن المؤلف لم يكتف بتعميق الجذور العربية لفن الرسائل، وإنما حرص، في خطوة تحسب له، على فتح نوافذ واسعة على التجربة الإنسانية، من خلال فصل مطول عن أدب الرسائل في الآداب العالمية. وهذه الإضافة لا تبدو عملاً تكميلياً أو استطراداً خارج موضوع الكتاب، بل تشكل امتداداً طبيعياً للرؤية المقارنة التي يقوم عليها؛ إذ لا يمكن فهم أي جنس أدبي فهماً عميقاً إذا ظل حبيس حدوده اللغوية أو القومية.

لقد اعتادت كثير من الدراسات العربية، حين تتناول أدب الرسائل، أن تكتفي بالتراث العربي، أو أن تشير – على سبيل الإيجاز – إلى بعض النماذج الغربية الشهيرة. أما الدكتور مسعود عمشوش فقد اختار طريقاً أكثر صعوبة وأكثر فائدة؛ إذ خصص لهذا الجانب فصلاً واسعاً، قدم فيه خريطة تاريخية لتطور أدب الرسائل في الثقافات العالمية، قبل أن ينتقل إلى تقديم نخبة من كبار الأدباء الذين ارتبطت أسماؤهم بهذا الفن، مبرزاً الخصائص التي ميزت مراسلاتهم، ومختاراً نماذج موجزة منها، بحيث لا يخرج القارئ بانطباعات عامة، وإنما يتعرف مباشرة إلى اللغة والأسلوب والروح التي كتبت بها تلك الرسائل.

وهذه المنهجية تضفي على الكتاب قيمة تعليمية واضحة؛ فالقارئ، ولا سيما الطالب الجامعي، لا يقرأ أحكاماً نقدية مجردة، بل يقرأ النصوص نفسها، ويتابع كيف تحول الخطاب الشخصي في كثير من الأحيان إلى أثر أدبي خالد، وكيف أصبحت الرسائل مصدراً لا غنى عنه لفهم الشخصيات المبدعة، وتطور أفكارها، ومواقفها الفكرية والإنسانية.

ولعل أجمل ما في هذا الفصل أنه لا يتعامل مع الرسائل بوصفها وثائق تاريخية، بل بوصفها نصوصاً أدبية لها جمالياتها الخاصة. فالرسالة عند كبار الأدباء لم تكن وسيلة لإبلاغ خبر، وإنما كانت امتداداً لعملية الإبداع نفسها. ولهذا تبدو كثير من الرسائل أقل تكلفاً وأكثر صدقاً من الكتب التي كتبها أصحابها للنشر، لأنها خرجت من لحظة إنسانية مباشرة، لم تكن تخضع لحسابات النشر ولا لمقتضيات الشهرة.

ومن هنا تأتي أهمية اختيار المؤلف لتسعة عشر أديباً من أعلام الرسائل في الآداب العالمية؛ فهو لا يريد أن يقدم موسوعة في تاريخ المراسلات، وإنما يريد أن يرسم للقارئ العربي صورة بانورامية لهذا الفن، وأن يبين أن الرسالة لم تكن هامشاً في حياة كبار المبدعين، بل كانت، في حالات كثيرة، جزءاً أصيلاً من منجزهم الأدبي والفكري.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن المؤلف لم يقع في فخ المقارنة السطحية بين الشرق والغرب، بل تعامل مع التجربتين بوصفهما رافدين يلتقيان في التعبير عن الإنسان، ويختلفان في السياقات الثقافية والتاريخية. ولذلك جاءت المقارنات ضمنية، هادئة، بعيدة عن الأحكام الجاهزة، وهو ما يكسب الفصل طابعاً علمياً يليق بدراسة أكاديمية رصينة.

ولعل هذه النزعة المقارنة ليست جديدة على المؤلف؛ فمن يعرف إنتاجه العلمي يدرك أنه ظل، في عدد من مؤلفاته، معنياً بتتبع صورة العرب في كتابات الآخرين، وصورة الآخر في الأدب العربي، وبالكشف عن مناطق التفاعل بين الثقافات. ومن هنا يبدو هذا الفصل امتداداً طبيعياً لاهتمامه بالأدب المقارن، ولكنه امتداد جاء هذه المرة في خدمة فن الرسائل، ليبين أن هذا الفن كان، عبر العصور، واحداً من أهم الجسور التي عبرت عليها الأفكار، وانتقلت بها القيم، وتعارفت من خلالها الثقافات.

ومن زاوية أخرى، يكشف هذا الفصل عن ملمح منهجي جدير بالتقدير، وهو أن المؤلف لم يرد للطالب العربي أن يبقى أسير أسماء قليلة تتكرر في معظم المراجع الجامعية، وإنما سعى إلى توسيع دائرة المعرفة، وتعريف القارئ بطيف واسع من التجارب الإنسانية، الأمر الذي يجعل الكتاب أقرب إلى مرجع تأسيسي منه إلى دراسة جزئية.

وإذا كان الفصل الأول قد أعاد تأصيل أدب الرسائل داخل الثقافة العربية، فإن هذا الفصل الثاني يضعه في سياقه الإنساني الأشمل، ويؤكد أن الرسالة ليست ملكاً لأمة دون أخرى، وإنما هي شكل من أشكال التعبير الإنساني رافق الحضارات المختلفة، واختلفت لغاته وأساليبه، بينما بقيت وظيفته الكبرى واحدة؛ وهي أن ينقل إلى الآخر شيئاً من الفكر، وشيئاً من الوجدان، وشيئاً من الإنسان نفسه.

ولعل هذه النظرة الواسعة هي التي تجعل الكتاب يتجاوز حدود التأريخ لفن من الفنون، ليصبح دفاعاً عن الحوار بين الثقافات، وعن الأدب بوصفه لغة مشتركة تتجاوز الجغرافيا واللغات والأزمنة. ولذلك فإن القارئ يخرج من هذا الفصل بانطباع واضح مؤداه أن المؤلف لم يكن يكتب عن الرسائل فحسب، بل كان يكتب عن الإنسان وهو يبحث، منذ آلاف السنين، عن أفضل السبل ليحاور إنساناً آخر، ويودع في الكلمات ما تعجز الذاكرة عن الاحتفاظ به.

ومن الإنصاف القول إن هذه الإضافة تمثل واحدة من أبرز مكاسب الطبعة الثانية، لأنها تسد فراغاً ظل قائماً في المكتبة العربية، حيث تندر الدراسات التي تجمع بين التأصيل النظري، والبعد المقارن، والاختيارات النصية في كتاب واحد، وتقدمها بلغة أكاديمية رصينة، بعيدة عن الجفاف، وقريبة من القارئ المتخصص وغير المتخصص في آن واحد.

ويبقى أن نشير إلى أن قيمة هذا الكتاب لا تتوقف عند الفصلين الجديدين اللذين أضيفا إلى الطبعة الثانية، على أهميتهما، وإنما تمتد إلى الدراسات التطبيقية التي تشكل النصف الثاني من الكتاب، وهي دراسات تكشف عن أن المؤلف لا يكتفي بالتنظير، بل يمارس النقد الأدبي ممارسة واعية، تستند إلى النصوص، وتنطلق منها، وتعود إليها.

فالكتاب لا يقدم نظرية مجردة عن أدب الرسائل، وإنما يختبر تلك النظرية في عدد من النماذج العربية والعالمية، فيدرس الرسالة بوصفها خطاباً أدبياً، وبوصفها تقنية سردية، وبوصفها وثيقة ثقافية تكشف عن المجتمع، كما تكشف عن الكاتب نفسه. وهذه إحدى أهم مزايا الكتاب؛ إذ لا يترك القارئ معلقاً في فضاء المفاهيم، بل يقوده إلى النصوص نفسها، ليكتشف كيف تعمل تلك المفاهيم داخل التجربة الأدبية.

ومن يقرأ هذه الدراسات يلاحظ أن المؤلف ينتمي إلى المدرسة التي ترى أن النقد ليس استعراضاً للمصطلحات، وإنما هو حوار حي مع النص. ولذلك جاءت قراءاته بعيدة عن التعقيد المنهجي الذي يرهق القارئ، كما جاءت بعيدة عن الانطباعية التي تكتفي بإصدار الأحكام. إنه يوازن بين المعرفة الأكاديمية وحيوية القراءة، وهي معادلة لا تتحقق إلا عند الباحث الذي يمتلك خبرة طويلة في التدريس والبحث.

ومن الخصائص التي تستحق الوقوف عندها أيضاً أن المؤلف لا يعزل الرسائل عن بقية الأجناس الأدبية، بل يتتبع حركة هذا الفن داخل السرد الحديث، فيناقش حضور الرسالة في الرواية العربية، وكيف تحولت من مجرد وسيلة للتواصل بين الشخصيات إلى تقنية فنية قادرة على بناء عالم روائي كامل، بما تمنحه للرواية من تعدد في الأصوات، وعمق نفسي، وإيهام بالواقعية، ومرونة في الانتقال بين الأزمنة والأمكنة.

وتتجلى هنا إحدى أهم سمات المؤلف، وهي أنه يقرأ الأجناس الأدبية بوصفها كيانات متفاعلة، لا جزرًا منفصلة. فالرسالة عنده لا تنتهي عند حدود الرسالة، بل تمتد إلى السيرة الذاتية، واليوميات، وأدب الرحلات، والرواية، وغيرها من أشكال التعبير، وهو ما يجعل الكتاب أكثر انفتاحاً على الأسئلة النقدية الحديثة، التي تجاوزت منذ زمن الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية.

ومن القضايا التي تمنح هذه الطبعة خصوصيتها أنها لا تكتفي باستحضار الماضي، بل تفتح باب النقاش حول مستقبل أدب الرسائل في العصر الرقمي. ففي القسم الذي يحمل عنوان (الرسائل العربية في مواجهة الوسيط الرقمي: هل انتهى عصر أدب الرسائل؟) يناقش المؤلف قضية معاصرة تمس كل قارئ وكل كاتب؛ إذ يتساءل عما إذا كانت الرسائل الإلكترونية ومنصات التواصل قد أنهت هذا الفن، أم أنها أعادت تشكيله في صورة جديدة.

ولا يقدم المؤلف جواباً انفعالياً يقوم على تمجيد الماضي أو إدانة الحاضر، بل يختار موقفاً علمياً أكثر اتزاناً، مؤداه أن الوسيط يتغير، أما الحاجة الإنسانية إلى التعبير، وإلى البوح، وإلى بناء العلاقة مع الآخر، فإنها تبقى ثابتة. ومن ثم فإن الرسالة، بوصفها شكلاً من أشكال الخطاب الإنساني، قادرة على أن تتخذ أشكالاً جديدة دون أن تفقد هويتها الأدبية. وهذه رؤية تستحق التوقف عندها؛ لأنها تنقل النقاش من الحنين إلى الورق إلى التفكير في مستقبل الأدب نفسه.

ومن هنا فإن الكتاب لا يخاطب الباحثين في التراث وحدهم، ولا طلاب أقسام اللغة العربية فحسب، وإنما يخاطب أيضاً الباحثين في السرديات، والإعلام الرقمي، والدراسات الثقافية، وحتى المهتمين بالذكاء الاصطناعي وتحولاته في مجال الكتابة. وهذه القدرة على الجمع بين التراث والراهن تمنح الكتاب حيوية قلما نجدها في الدراسات الأكاديمية.

ولعل من أبرز ما يميز أسلوب الدكتور مسعود عمشوش أنه يكتب بلغة علمية رصينة، لكنها لا تنفر القارئ، ويحرص على أن تكون المصطلحات في خدمة الفكرة، لا أن تتحول إلى غاية في ذاتها. فلا نجد في الكتاب استعراضاً للمناهج، ولا ازدحاماً بالمقولات النظرية، وإنما نجد معرفة تهضم المرجعيات المختلفة، ثم تعيد تقديمها في صياغة واضحة ومتماسكة. وهذه ميزة لا تقل أهمية عن المادة العلمية نفسها؛ لأن الكتاب الأكاديمي الحقيقي هو الذي ييسر المعرفة ولا يعقدها.

ولعل من الإنصاف أن نقول إن الطبعة الثانية من (دراسات في أدب الرسائل) تمثل مرحلة جديدة في المشروع العلمي للدكتور مسعود عمشوش. فهي ليست مجرد طبعة منقحة، بل إعادة صياغة لكتاب أصبح أكثر شمولاً واتزاناً، وأكثر قدرة على أن يكون مرجعاً جامعياً في دراسة أدب الرسائل، وأن يسد جانباً من النقص الذي ظلت تعانيه المكتبة العربية في هذا المجال.

ولذلك فإن الاحتفاء بهذه الطبعة ليس احتفاء بزيادة عدد صفحات الكتاب، ولا بإضافة فصلين جديدين فحسب، وإنما هو احتفاء بروح الباحث الذي لا يرضى بأن يكرر نفسه، ولا يكتفي بما أنجزه، بل يعود إلى عمله ليطوره، ويعيد النظر في قضاياه، ويضيف إليه ما استجد من أسئلة ومناهج ورؤى. وهذه خصلة لا يتحلى بها إلا الباحثون الذين ينظرون إلى الكتاب بوصفه مشروعاً مفتوحاً على المراجعة والتطوير، لا نصاً مغلقاً يكتمل بمجرد صدوره.

وأحسب أن هذه الطبعة ستسهم في إعادة توجيه الاهتمام إلى أدب الرسائل، ذلك الفن الذي ظل طويلاً يقف في ظل الشعر والرواية، على الرغم من أنه يحمل في داخله تاريخ الفكر، وسيرة الأدباء، وذاكرة المجتمعات، وتحولات اللغة، وأسرار الإبداع. وإذا نجح هذا الكتاب في أن يدفع جيلاً جديداً من الباحثين إلى اكتشاف هذا الفن، وإعادة قراءته بعين معاصرة، فإن المؤلف يكون قد حقق إنجازاً يتجاوز حدود هذا الكتاب، ليصبح إسهاماً حقيقياً في تجديد الدراسات الأدبية العربية.

وهكذا تغدو الطبعة الثانية من (دراسات في أدب الرسائل) أكثر من كتاب عن الرسائل؛ إنها دعوة إلى إعادة اكتشاف أحد أكثر الأجناس الأدبية ثراءً، وإلى الإيمان بأن الأدب العظيم لا يفقد قيمته بتغير الأزمنة، بل يجد في كل عصر وسائل جديدة ليواصل الحياة.

طه البحر

زر الذهاب إلى الأعلى