مقالات وآراء

موقف السلطان عبدالحميد الثاني من عروض اليهود لشراء فلسطين

دراسة وتوثيق : الشيخ أحمد سعيد العمودي

دراسة تاريخية وثائقية

أولاً: السياق التاريخي – الدولة العثمانية بين الديون والضغوط

في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 كانت الدولة العثمانية تعاني أزمة مالية خانقة. الديون الخارجية تراكمت، والضغوط الأوروبية تتصاعد، وفلسطين كانت تتبع متصرفية القدس وتخضع مباشرة لإدارة اسطنبول.

في هذا التوقيت ظهرت الحركة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل Theodor Herzl الذي كان يبحث عن وطن قومي لليهود. وكان الحل بالنسبة له هو فلسطين باعتبارها أرضاً تاريخية ودينية.

ثانياً: المحاولة الأولى – قصة قرّه صو وإيمانويل قراسو

الاسم الذي ذكرته قرّه صو الأقرب تاريخياً هو إيمانويل قراسو Emmanuel Carasso.
كان قراسو محامياً يهودياً من سالونيك، وعضواً بارزاً في جمعية الاتحاد والترقي، وكان له نفوذ سياسي ومالي.

بحسب الروايات التاريخية المتداولة، في عام 1896 وفيما بعد عام 1901 حاولت جهات صهيونية الوصول للسلطان عبر وسطاء أثرياء. الهدف كان عرض مبالغ ضخمة مقابل تسهيلات استيطان يهودي في فلسطين.

الرواية المشهورة تقول أن المبعوث عرض:
5 ملايين ليرة ذهبية هدية للخزينة الخاصة، ومائة مليون ليرة كقرض بلا فائدة لمدة 100 سنة مقابل امتيازات في فلسطين.

رد السلطان عبدالحميد كان حاسماً. غضب وطرد المبعوث. وبعدها وصلته برقية تهديد مضمونها أن الرفض سيكلفه عرشه وممتلكاته.

الملاحظة التوثيقية: المصادر العثمانية الرسمية لم تسجل اسم قرّه صو بهذا الشكل في محاضر قصر يلدز، لكن اسم عائلة قراسو معروف في سالونيك وكان لهم دور في أحداث خلع السلطان لاحقاً عام 1909 حيث كان إيمانويل قراسو ضمن من أبلغوه بخلعه.

ثالثاً: المحاولة الثانية – لقاء هرتزل المرفوض

المحاولة الأوثق تاريخياً هي محاولة تيودور هرتزل زعيم الحركة الصهيونية.

1- الطلب الرسمي: في مايو 1901 طلب هرتزل مقابلة السلطان. رُفض الطلب. فأرسل عرضه عبر صديقه البولندي فيليب نيويلنسكي.
2- العرض: سداد ديون الدولة العثمانية كاملة + دعاية للسلطان في أوروبا مقابل فتح فلسطين للاستيطان اليهودي ونقل الإدارة لليهود. روايات أخرى تذكر مبلغ 150 مليون جنيه ذهب بريطاني، وروايات أخرى 20 مليون دولار.
3- الرد التاريخي للسلطان:
“لن أبيع شبراً واحداً من هذه الأرض لأنها لا تخصني بل تخص كل العثمانيين. شعبنا روى هذه الأرض بدمه. وسنعطيها بالطريقة التي أخذناها بها”.

وكتب هرتزل في مذكراته:
“نصحني السلطان عبد الحميد أن لا أتخذ أية خطوة أخرى في هذا السبيل؛ لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين؛ إذ هي ليست ملكًا له؛ بل هي لأمته الإسلامية التي قاتلت من أجلها وروت التربة بدماء أبنائها… وإذا تجزأت إمبراطوريتي يومًا ما فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أمَّا وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بُترت من إمبراطوريتي”.

كرر هرتزل العرض عام 1902 فجاءه نفس الرد.

رابعاً: تحليل موقف السلطان عبدالحميد

1- البعد الشرعي: اعتبر فلسطين أمانة للأمة وليست ملكاً شخصياً له ليبيعها.
2- البعد السياسي: كان يدرك أن التنازل عن فلسطين يعني بداية تفكيك الإمبراطورية. لذلك أنشأ نظام التذكرة الحمراء لمنع الاستيطان اليهودي المنظم.
3- البعد الشخصي: لم يكن السلطان معادياً لليهود كدين. الدولة العثمانية كانت تضم أكبر تجمع يهودي في العالم في سالونيك. لكنه رفض المشروع السياسي الصهيوني لأنه يمس وحدة أراضي الدولة.

خامساً: النتائج والعواقب

1- بعد رفض السلطان بدأت حملة إعلامية ودبلوماسية ضده.
2- في 1909 خلعه الاتحاديون ونفوه إلى سالونيك. والمفارقة أن من أبلغه بخلعه كان المحامي اليهودي إيمانويل قراسو.
3- بعد خلع السلطان، سمح الاتحاديون بالاستيطان اليهودي في فلسطين.

سادساً: بين الرواية والتوثيق

ما هو مؤكد تاريخياً: أن هرتزل عرض على السلطان سداد الديون مقابل فلسطين، وأن السلطان رفض رفضاً قاطعاً. وهذا مسجل في مذكرات هرتزل نفسه وفي وثائق وزارة الخارجية العثمانية.

ما هو متداول شعبياً: قصة قرّه صو والمبالغ المحددة 5 مليون و 100 مليون. لا توجد وثيقة عثمانية رسمية منشورة تؤكد نص الحوار الحرفي، لكنها تعكس جوهر الموقف الذي نقله المقربون من القصر.

هدف الرواية: التأكيد على مبدأ أن فلسطين لم تكن يوماً للبيع، وأن القرار كان قرار أمة لا قرار فرد.

إن موقف السلطان عبدالحميد الثاني كان نقطة تحول. رفض أن يبادل أرضاً مقدسة بذهب الدنيا كلها. قال قولته التي بقيت: لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد… لأنها ليست ملكي.

هذا الموقف دفع ثمنه عرشاً، لكنه كسب به مكانة في ضمير الأمة. وأجل قيام المشروع الصهيوني عقوداً من الزمن.

دراسة وتحقيق وتوثيق:
✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي
بحث مفصل حول موقف السلطان عبدالحميد الثاني من عروض اليهود لشراء فلسطين
دراسة تاريخية وثائقية

زر الذهاب إلى الأعلى