مقالات وآراء

هل هي حرب متصاعدة أو مجرد مناوشات لتحسين شروط التفاوض؟

كتب: د. مسعود عمشوش

لم يعد من السهل وصف ما يجري في الجبهات اليوم بأنه مجرد (خروقات) لحالة الهدوء التي سادت خطوط التماس خلال السنوات الماضية. فالمواجهات التي تصاعدت بصورة لافتة في الضالع ومكيراس وباب المندب والمخا، واستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، والهجمات البرية والهجمات المضادة، وسقوط أعداد متزايدة من القتلى والجرحى ونزوح المدنيين، كلها مؤشرات تدفع إلى سؤال أكثر جدية: هل دخلنا فعليًا مرحلة ما بعد الهدنة، وهل نحن أمام عودة تدريجية إلى الحرب، وإن لم يُعلن عنها رسميًا؟
الإجابة الأكثر حذرًا هي أننا لم ندخل بعد حربًا شاملة بالمعنى الذي عرفه بين عامي 2015 و2022، لكننا بالتأكيد لم نعد يعيش حالة الهدوء النسبي التي نشأت بعد الهدنة الأممية في أبريل 2022. وما يجري الآن يمكن وصفه بأنه حرب منخفضة العتبة آخذة في الارتفاع، أو انتقال تدريجي من تجميد الجبهات إلى إعادة تنشيطها.
وهناك مفارقة تكمن في أن الهدنة الأممية التي بدأت في أبريل 2022 لم تتحول إلى اتفاق سلام دائم، بل إلى وضع عسكري وسياسي غامض: توقفت أو تراجعت العمليات الكبرى، لكن جذور الصراع بقيت قائمة، ولم تُحسم قضايا السلطة والسلاح والموارد وشكل الدولة.
وبمرور الوقت نشأت حالة يمكن وصفها بأنها (لا حرب ولا سلام). بقي الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال والغرب، بينما ظلت الحكومة المعترف بها دوليًا والقوى المتحالفة معها تسيطر على أجزاء واسعة من الجنوب والساحل الغربي وجزء بسيط من مأرب.
لكن (اللاحرب) لم تكن تعني نهاية الصراع. فقد ظلت خطوط التماس قائمة، وظلت عمليات القصف والمناوشات تحدث بصورة متقطعة في تعز ومأرب والضالع وغيرها. الجديد اليوم هو حجم التصعيد واتساع رقعته وطبيعة الأسلحة المستخدمة والأهداف التي تبدو مرتبطة بالسيطرة على طرق ومواقع ذات قيمة استراتيجية.
هل يعني أن المعركة لا تتعلق فقط بالسيطرة على قرية أو جبل؟ وإنما تتعلق بمحاولة كل طرف تحسين موقعه على الخريطة العسكرية قبل أي تسوية سياسية محتملة.
فمن يسيطر على المرتفعات والطرق الواقعة بين تعز والمخا يستطيع التأثير في حركة القوات والإمدادات، كما يستطيع تهديد أحد أهم الموانئ الواقعة على الساحل الغربي. ولذلك فإن المخا ليست مجرد مدينة ساحلية، وتعز ليست مجرد محافظة مكتظة بالسكان؛ إنهما جزء من معادلة جغرافية تمتد من المرتفعات إلى البحر الأحمر وباب المندب.
وقد أطلقت جماعة الحوثيين خلال الأيام الماضية صواريخ باليستية باتجاه مناطق في الساحل الغربي، فيما استمرت المعارك البرية في مقبنة والكدحة ومناطق أخرى من غرب تعز.
وإذا كانت تعز والمخا تمثلان البعد الاستراتيجي للساحل الغربي، فإن الضالع تكشف عن جانب آخر من التصعيد. فقد أعلنت قوات (درع الوطن) تنفيذ ضربات جوية ضد تجمعات حوثية في الضالع في بداية سبتمبر، في تطور يؤكد أن التصعيد لم يعد محصورًا في محور تعز والساحل الغربي.
وهذا مهم سياسيًا وعسكريًا؛ لأن عودة الطيران إلى بعض الجبهات، إلى جانب الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات البرية، تعني أن قواعد الاشتباك التي استقرت نسبيًا خلال السنوات الماضية بدأت تتغير. وعندما تتغير قواعد الاشتباك، يصبح من الصعب التنبؤ بحدود التصعيد.
هل يريد الحوثيون استئناف الحرب؟ من الخطأ افتراض أن أي هجوم حوثي يعني بالضرورة أن الجماعة قررت العودة إلى حرب شاملة. هناك احتمال آخر أكثر تعقيدًا: استخدام القوة لتحسين شروط التفاوض.
فالطرف الذي يحقق تقدمًا عسكريًا قبل الدخول في مفاوضات يستطيع أن يدخلها من موقع أقوى. ومن هنا يمكن فهم أهمية الطرق والمرتفعات والموانئ والممرات الاستراتيجية. وفي المقابل، فإن القوات الحكومية وحلفاءها لا يبدون مستعدين لتكرار تجربة السنوات الماضية التي تحولت فيها خطوط التماس إلى وضع شبه ثابت. فاستعادة مواقع في غرب تعز، وتنفيذ ضربات جوية، ومحاولة منع الحوثيين من الوصول إلى طرق استراتيجية، كلها مؤشرات على أن الطرف الآخر يحاول أيضًا إعادة تشكيل ميزان القوة. وهكذا تصبح المعركة العسكرية جزءًا من معركة تفاوضية لم تبدأ بعد بصورة رسمية.
هل لا تزال خطة اتفاق عمان قائمة؟ هل يزال العليمي مستعد للتنازل عن 80% من نقط شبوة وحضرموت لصنعاء؟
من المستفيد فعلا من كسر الجمود؟ هذا هو السؤال الأهم.
إن استئناف المعارك على نطاق واسع لن يعني فقط عودة الجبهات إلى الحركة، وإنما يعني ارتفاع كلفة الغذاء والنقل، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتوسع حركة النزوح، وتعطيل الطرق، وربما تهديد الموانئ والممرات التجارية.
وبذلك تصبح الحرب الجديدة، إن اندلعت، مختلفة في ظروفها عن حرب 2015، لكنها قد تكون أكثر تعقيدًا من الناحية الإقليمية.
ويبدو لي إن الهدنة لم تُلغَ بعد، لكنها تتآكل على الأرض بفعل المدافع والصواريخ. والحقيقة أن الحرب لا تبدأ دائمًا ببيان رسمي. ففي كثير من الحالات تبدأ الحرب عندما تتغير قواعد الاشتباك، وتتزايد الأهداف، وتتحول الدفاعات
وإذا عادت الحرب إلى أي مدى يمكن أن تتدخل القوى الإقليمية والدولية لإيقافه؟ هل لا يزال هناك تحالف؟ هل حل اتفاق مكة في مكان التحالف.
يبدو أن هناك 3 سيناريوهات محتملة؛
السيناريو الأول هو أن يكون التصعيد الحالي عملية عسكرية محدودة هدفها تحسين المواقع قبل العودة إلى المفاوضات.
والسيناريو الثاني هو أن يفشل الطرفان في احتواء المعارك، فتتوسع الجبهات تدريجيًا وتتحول المناوشات إلى حرب مفتوحة.
أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فهو أن يتقاطع التصعيد مع التوترات الإقليمية في مضيق هرمز والبحر الأحمر والمنطقة، بحيث تتحول الجبهة المحلية إلى جزء من صراع إقليمي أوسع.
والأرجح أن هناك قرارًا سياسيًا واحدًا لم يُتخذ بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى