مقالات وآراء

الجنوب أمام مرحلة تستدعي الاستعداد وتوحيد الصفوف

كتب : الباركي الكلدي

في الوقت الذي تتسارع فيه الأحداث في الشمال، وتقوم بعض الوحدات العسكرية بتسليم عتادها ومواقعها وأفرادها لجماعة الحوثي دون مقاومة تُذكر، تترافق هذه التطورات مع دعوات يطلقها قادة الحوثيين لأبناء الشمال الموجودين في معسكرات الشرعية للعودة إلى ما يسمونه «حضن الوطن» في صنعاء.

وفي ظل هذا التصعيد الخطير، نشهد هجمات متواصلة على عدد من المواقع والمناطق في الشمال، ومحاولات للسيطرة عليها، بينما لا نرى في الجنوب التحرك الذي يتناسب مع خطورة المشهد، ولا الاستعداد الكافي لاحتمالات المرحلة القادمة.

وهنا يجب أن ندرك أن الجنوب اليوم ليس ضعيفًا؛ فهو يمتلك من القوة العسكرية والرجال والقادة الذين أثبتوا في ميادين القتال أنهم قادرون على الدفاع عن أرضهم، وقدموا التضحيات في أصعب الظروف. لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا بقيت هناك تباينات واختلافات في وجهات النظر بين بعض القوى والقادة، أو ظلت حسابات الماضي وخلافاته حاضرة في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التماسك.

فقد تكون الخلافات السابقة، مهما كانت أسبابها، الثغرة التي ينفذ منها الخطر إلى الجنوب من جديد. والعدو لا يحتاج دائمًا إلى التفوق في القوة؛ فقد تكفيه ثغرة في الصف الداخلي أو حالة من عدم التنسيق حتى يحقق ما لا يستطيع تحقيقه في مواجهة صف موحد.

ولهذا فإن المرحلة الحالية تتطلب سد كل الثغرات، وتوحيد الصفوف، وتعزيز التنسيق بين القوات العسكرية والأمنية والقيادات والمكونات الاجتماعية والقبلية، والاستعداد المبكر لحماية الحدود والمناطق الجنوبية والحفاظ على الأمن والاستقرار، بدل انتظار وصول الخطر إلى مناطقنا حتى نبدأ في التحرك.

كما أن حماية الجنوب لا ينبغي أن تكون مسؤولية القوات العسكرية والأمنية وحدها، بل مسؤولية الجميع، مع ضرورة أن تكون هناك تحركات قبلية ومجتمعية منظمة ومساندة للجهود الأمنية والعسكرية، بما يعزز الاستقرار ويمنع أي فراغ يمكن أن تستغله الأطراف المعادية.

وفي الجانب السياسي والدبلوماسي، فإن المرحلة تتطلب أيضًا فتح وتوسيع قنوات التواصل مع الخارج، وخاصة الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول التحالف، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة وحماية أمن المنطقة واستقرارها. فالجنوب ليس معزولًا عن محيطه، ومستقبله وأمنه واستقراره يرتبطان بصورة وثيقة بأمن واستقرار المنطقة وممراتها ومصالحها الحيوية.

لقد حان الوقت لمعالجة الجراح مهما كانت عميقة، وفتح صفحة جديدة بين أبناء الجنوب، لأن جراح اليوم، مهما كانت مؤلمة، أهون من جراح قد يفرضها علينا القادم إذا لم نستعد له.

فالمرحلة القادمة لا تحتمل التراخي ولا الحسابات الضيقة، ولا تحتمل أن نختلف على الماضي بينما تتشكل أمامنا تحديات جديدة. المطلوب اليوم ليس البحث عمن كان على حق بالأمس، وإنما الاتفاق على سؤال واحد:

كيف نحمي الجنوب غدًا؟

إن توحيد الصف، وسد الثغرات، وتعزيز الجاهزية، وتفعيل العلاقات مع الأشقاء والأصدقاء، هي مسؤولية المرحلة. وما لم ندرك خطورة اللحظة ونستعد لها من الآن، فقد ندفع ثمنًا باهظًا لا نريد أن تتكرر معه مآسي الماضي.

زر الذهاب إلى الأعلى