هوس الظهور.. حين تصنع الكاميرا الوجاهة

كتب: د. مسعود عمشوش
لم تكن الوجاهة في المجتمع الحضرمي، في صورتها التقليدية، بحاجة إلى كاميرا كي تثبت وجودها، ولا إلى صفحات التواصل الاجتماعي كي تعلن عن نفسها كل صباح ومساء.
كان الوجيه، سواء أكان مقدما أو منصبا أو حبيبا أو شيخا أو أبو يُعرف بما يفعل، لا بعدد الصور التي يظهر فيها. وكان العالم أو الشيخ يُقاس بعلمه، وبما يصلح بين الناس، وبقدرته على جمع الكلمة، وبما يتركه من أثر في حياة المجتمع، لا بعدد اللقاءات التي تُنشر صوره منها، ولا بعدد المرات التي يظهر فيها جالسًا في الصف الأول.
أما اليوم، فقد دخلت الكاميرا إلى قلب الوجاهة الحضرمية، وأصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف والتأمل: هوس الظهور الإعلامي عند بعض الوجاهات الدينية والاجتماعية والقبلية.
وليس المقصود هنا الاعتراض على ظهور العلماء والمشايخ والوجهاء في الإعلام؛ فذلك أمر طبيعي في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل جزءًا أساسيًا من الحياة العامة. بل إن بعض البرامج الحديثة أصبحت تدرب العلماء والدعاة أنفسهم على إدارة حساباتهم وحضورهم الرقمي، كما حدث في حضرموت خلال يوليو 2026 في دورة خصصت لتطوير مهارات الحضور الرقمي وإدارة الحسابات للعلماء والدعاة، بهدف توسيع أثر رسالتهم الدعوية والتوعوية. وهناك من أصبح يملك إذاعات وقنوات فضائية.
المشكلة إذن ليست في الظهور، وإنما في التحول من خدمة الرسالة إلى صناعة الصورة.
وهنا يبدأ السؤال المحرج: متى تتحول الوجاهة من قيمة اجتماعية حقيقية إلى حاجة مستمرة للظهور؟
في حضرموت القديمة، كان للشيخ والمقدم والمنصب والوجيه وظائف اجتماعية تتجاوز مجرد حمل اللقب. كان الناس يقصدونه لحل مشكلة، أو إصلاح ذات البين، أو الفصل في نزاع، أو طلب مشورة، أو جمع الكلمة، أو حماية علاقة اجتماعية من الانهيار.
وكانت قيمة الرجل تُبنى ببطء، عبر سنوات طويلة من العمل والثقة والتجربة.
لم يكن بحاجة إلى أن يقول للناس كل يوم: (أنا وجيه) دعوني وصوروني معكم ووثقوا الصور وانشروها حتى في الـCNN. في زمن الناس الزيان كان الناس يعرفون ذلك تلقائيا.
أما اليوم، فقد بدأت الصورة تقلب المعادلة. أصبح بعض أصحاب المكانة الاجتماعية أكثر اهتمامًا بأن يُرى وهو يستقبل، ويُرى وهو يزور، ويُرى وهو يجتمع، ويُرى وهو يصافح، ويُرى وهو يتحدث، ويُرى وهو يجلس في الصف الأول، وهو يزفن. هيا صور يا بايعشوت، هيا صور ياقمصي، هيا صور يا تُوَن!
وكأن الوجاهة لم تعد تكتفي بأن تكون موجودة في الواقع، بل أصبحت مطالبة بأن تكون موجودة باستمرار على الشاشة.
وهناك فرق كبير بين أن تكون صاحب مكانة لأن المجتمع يحتاج إليك، وبين أن تحتاج باستمرار إلى الظهور كي يشعر المجتمع بأنك صاحب مكانة. الفرق دقيق، لكنه جوهري. فالوجاهة الحقيقية لا تحتاج إلى تذكير الناس بها كل يوم.
أما عندما يصبح الوجيه حريصًا على أن يظهر في كل مناسبة، وأن تُنشر صورته في كل لقاء، وأن تُذكر صفته وألقابه في كل خبر، وأن تكون له مساحة ثابتة في المشهد الإعلامي، فإننا نكون أمام ظاهرة اجتماعية جديدة يمكن تسميتها، بلا مبالغة، (وجاهة الصورة).
وهنا لا تعود المسألة متعلقة بشخص بعينه. إنها ظاهرة، وثقافة بدأت تتشكل. ثقافة تقول إن من لا يظهر لا يُحسب، وإن من لا تُنشر صوره لا يُعرف، وإن من لا يملك حضورًا رقميًا متكررًا قد يفقد جزءًا من مكانته.
وهذا من أخطر ما يمكن أن تفعله وسائل التواصل الاجتماعي بالمجتمعات التقليدية. واليوم حتى الوجاهة الدينية دخلت عصر (الحضور الرقمي)، والموالده كثيرون وخبيرون بالتوثيق الرقمي.
واليوم أصبحت بعض المنصات الدينية الحضرمية تبث الدروس والخطب والمجالس بصورة منتظمة، وهو نموذج يمكن أن يجعل التكنولوجيا وسيلة لنشر المعرفة بدل أن تكون مجرد وسيلة لصناعة الصورة. وتحولت صفحات ومنصات بعض الوجهاء والمشايخ والمناصب إلى سجل يومي لزياراتهم واستقبالاتهم وصورهم مع الشخصيات المختلفة.
هل نحن أمام إعلام رسالة، أم إعلام للترويج لأشخاص؟ المشكلة لا تكمن في الصورة. بل إن في بعض الأعمال الاجتماعية يفترض عدم توثيقها وقد قال معاذ بن جبل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال؛ “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”.
والمشكلة تظهر بوضوح عندما تتضخم الصورة حتى تصبح أكبر من الفعل نفسه. عندما يصبح عدد الصور أهم من عدد المشروعات. وعندما يصبح عدد الزيارات واللقاءات والعزومات أهم من نتائج اللقاءات. وعندما تصبح الألقاب أطول من الإنجازات. وعندما يصبح الوجيه حاضرًا في كل مناسبة، لكن الناس لا يرون أثرًا واضحًا لحضوره في حل مشكلات المجتمع.
هنا يصبح من حقنا أن نتساءل. هل حضرموت تحتاج إلى مزيد من (النجوم)؟ أعتقد أننا في مثل هذه الظروف، لا نحتاج إلى تحويل مشايخها ووجهائها إلى نجوم في وسائل التواصل. وربما يكون أعظم عمل اجتماعي هو ذلك العمل الذي ينتهي دون صورة ودون منشور ودون (خبر عاجل).
وفي الختام نقول: لا أحد يطالب بإغلاق الكاميرات. ولا أحد يطالب المقادمة والأبوا والمشايخ والعلماء بالاختفاء. المطلوب فقط أن تعود الأمور إلى نصابها. وأن تكون الكاميرا في خدمة العمل، لا العمل في خدمة الكاميرا. أن يكون الحضور من أجل حل المشكلة، لا من أجل الصورة. أن يكون اللقاء من أجل الناس، لا من أجل المنشور. أن يكون الشيخ حاضرًا بعلمه، والوجيه بحكمته، والمقدم بقدرته على الإصلاح، لا بعدد الصور التي تجمعه بالآخرين.
فحضرموت ليست بحاجة إلى مزيد من الوجوه على الشاشات.