مقالات وآراء

الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي.. من إنتاج الترجمة إلى تحرير مخرجاتها

بقلم: أ.د. مسعود عمشوش

مدير مركز عبد الله فاضل للترجمة والدراسات الإنجليزية – جامعة عدن
لم يعد الاحتفال باليوم العالمي للترجمة مناسبة للاحتفاء بالترجمة كما عرفناها خلال العقود الماضية فحسب، بل أصبح مناسبة لإعادة النظر في مفهوم الترجمة ذاته، وفي وظائف المترجم، وفي مؤسسات تأهيله، وفي الأدوات التي يعمل بها. فقد أفضى التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية العصبية والنماذج اللغوية الكبرى إلى إعادة تشكيل سوق الخدمات اللغوية بصورة لم يعد من الممكن تجاهلها.
وقد اختارت الأمم المتحدة 30 سبتمبر يومًا عالميًا للترجمة، تقديرًا لدور المهنيين اللغويين في تعزيز التواصل والتفاهم والتعاون بين الشعوب. لكن الوفاء الحقيقي لهذه المناسبة لا يكون بتكرار الخطاب التقليدي عن أهمية المترجم، وإنما بالنظر بصدق إلى التحولات العميقة التي يشهدها مجال الترجمة، والاستعداد لتأهيل المترجم لمهنته الجديدة بدل الدفاع عن نموذج مهني تجاوزه التطور التقني.
أولًا: سوق ترجمة جديد
خلال سنوات قليلة، انتقلت الترجمة الآلية من كونها أداة مساعدة محدودة الجودة إلى عنصر أساسي في دورة إنتاج الترجمة. ولم يعد استخدام الآلة مقتصرًا على ترجمة الجمل البسيطة أو النصوص غير المتخصصة، بل أصبحت أنظمة الترجمة العصبية والنماذج اللغوية قادرة على إنتاج مسودات متقدمة في مجالات واسعة، مع إمكانات متزايدة في فهم السياق والمصطلحات والأسلوب.
وتقدم تجربة المفوضية الأوروبية مثالًا دالًا على حجم هذا التحول؛ فقد بلغ استخدام خدمة eTranslation التابعة لها 890 مليون صفحة في عام 2025، مقابل 19 مليون صفحة عند إطلاقها عام 2017. وفي الوقت نفسه تواصل المفوضية تشغيل مترجمين محترفين يستخدمون الذاكرات الترجمية وقواعد المصطلحات والترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي ضمن سير عمل متكامل.
وهذا الرقم لا يعني أن الترجمة البشرية اختفت، بل يعني أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا بنيويًا من عملية الترجمة نفسها، وأن السؤال لم يعد: «هل نستخدم الترجمة الآلية؟»، وإنما: «كيف نستخدمها؟ ومتى؟ وبأي مستوى من الرقابة البشرية؟».
ومن هنا برز مفهوم التحرير اللاحق للترجمة الآلية (Post-editing)، الذي لم يعد ممارسة هامشية، بل أصبح مجالًا مهنيًا له معايير دولية. فقد أصدرت المنظمة الدولية للتقييس ISO معيارًا خاصًا بالتحرير البشري لمخرجات الترجمة الآلية، وتعمل حاليًا على تحديثه ليشمل مخرجات الأنظمة غير البشرية بصورة أوسع.
ثانيًا: نهاية نموذج «المترجم التقليدي»
إن أهم ما ينبغي الاعتراف به اليوم هو أن المترجم الذي تلقى تدريبًا يقوم أساسًا على إنتاج الترجمة من الصفر، دون معرفة حقيقية بأدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب والترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي، أصبح يواجه مشكلة مهنية حقيقية.
ولا تكمن المشكلة في عمر المترجم أو أستاذ الترجمة، وإنما في قدرته على مواكبة التحول. فالخبرة الطويلة في الترجمة تظل قيمة مهمة، لكنها لا تكفي إذا انفصلت عن المعرفة بالتكنولوجيا التي أصبحت جزءًا من المهنة.
والأمر نفسه ينطبق على مؤسسات تأهيل المترجمين. فالمؤسسة التي لا تزال تقدم الترجمة بوصفها عملية يدوية خالصة، وتتعامل مع الحاسوب والذكاء الاصطناعي بوصفهما أدوات ثانوية أو ترفًا تقنيًا، تخاطر بفقدان قدرتها على جذب الطلبة وإعدادهم لسوق العمل الجديد. وليس مستغربًا، في ظل هذا التحول، أن يتراجع الإقبال على بعض مؤسسات التأهيل التقليدية؛ لأن الطالب يسأل بصورة مشروعة: لماذا أتعلم مهنة لا تعلمني الأدوات التي سيستخدمها سوق العمل؟
المطلوب إذن ليس إلغاء تعليم الترجمة، بل إعادة بناء تعليم الترجمة.
ثالثًا: من مساقات الترجمة إلى مساقات «تحرير ما بعد الترجمة»
أحد أهم التحولات المطلوبة في برامج إعداد المترجمين هو إعادة النظر في طبيعة المساقات التحريرية. ففي الظروف الجديدة ينبغي أن ينتقل جزء كبير من التدريب من نموذج:
النص الأصلي ← المترجم ← النص المترجم
إلى نموذج أكثر ملاءمة للواقع المهني:
النص الأصلي ← نظام الترجمة الآلية/الذكاء الاصطناعي ← المترجم المحرر ← النص النهائي.
وهذا لا يعني أن الطالب لن يتعلم الترجمة أو مبادئها، بل يعني أن الهدف النهائي من تدريبه يجب أن يصبح القدرة على تقييم مخرجات الآلة، واكتشاف أخطائها، وتصحيحها، وتحسين أسلوبها، والتحقق من مصطلحاتها، ومراجعة اتساقها، والتأكد من ملاءمتها للسياق والجمهور والغرض الاتصالي..
ومن ثم، يمكن أن تصبح مساقات مثل «الترجمة التحريرية» و«الترجمة المتخصصة» و«الترجمة التقنية» مساقات أكثر ارتباطًا بمفهوم Post-editing، مع تدريب عملي مكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الترجمة الآلية، والذاكرات الترجمية، وقواعد المصطلحات، ومراجعة الجودة، وإدارة المشروعات اللغوية.
رابعًا: المترجم الجديد يجب أن يكون كاتبًا متميزا باللغتين
إن التحول إلى التحرير اللاحق يكشف حقيقة ربما لم تحظَ بما يكفي من الاهتمام في برامج الترجمة التقليدية: المترجم الجيد ليس مجرد شخص يعرف لغة أجنبية.
بل إن المحرر اللاحق لمخرجات الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كفاءة عالية جدًا في اللغة المصدر واللغة الهدف معًا. فهو مطالب بفهم النص الأصلي بدقة، لكنه مطالب، في الوقت نفسه، بأن يمتلك قدرة ممتازة على الكتابة والتحرير في اللغة التي سيخرج بها النص النهائي.
وهنا يصبح من الصعب الدفاع عن التصور التقليدي الذي يربط دراسة الترجمة بإحدى اللغات الأجنبية وحدها. فالترجمة ليست مجرد معرفة اللغة الأجنبية، وإنما هي معرفة عميقة باللغتين والثقافتين، وبأنظمة التعبير فيهما، وبالأساليب والأنواع النصية والمصطلحات والسياقات الثقافية.
إن تحرير نص عربي أنتجته آلة عن الإنجليزية، مثلًا، يتطلب مترجمًا يفهم الإنجليزية فهمًا دقيقًا، لكنه يحتاج قبل ذلك وبعده إلى كفاءة عالية في الكتابة العربية. فالآلة قد تنتج ترجمة صحيحة من حيث المعنى العام، لكنها قد تخطئ في النبرة، أو الأسلوب، أو المصطلح، أو الإيحاء الثقافي، أو ترتيب المعلومات، أو مقتضيات الكتابة العربية السليمة.
ومن هنا فإن مستقبل تعليم الترجمة لا ينبغي أن يكون في إنتاج «مترجم يعرف الإنجليزية» أو «مترجم يعرف الفرنسية»، بل في إعداد محرر ومختص لغوي ثنائي الكفاءة يستطيع التعامل مع النص في لغته الأصلية ولغته النهائية، ويعرف ثقافة كل منهما وأدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت جزءًا من عملية الإنتاج.
خامسًا: ماذا تفعل مؤسسات تأهيل المترجمين؟
أمام هذا التحول، لا يكفي تحديث بعض المقررات بإضافة درس أو درسين عن الترجمة الآلية. المطلوب تحول مؤسسي حقيقي.
أول هذه المخارج هو إعادة توصيف مخرجات برامج الترجمة. فالخريج ينبغي أن يكون قادرًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية، وإدارة عملية الترجمة، ومراجعة المخرجات، وتقييم جودتها، والتحقق من المصطلحات والمعلومات، وحماية سرية البيانات.
وثانيها هو إعادة تأهيل أعضاء هيئة التدريس. فمن غير المنطقي أن نطلب من طالب الترجمة أن يعمل في سوق رقمي بينما يتلقى تدريبه على يد أستاذ لا يعرف الأدوات الرقمية التي سيستخدمها الطالب بعد التخرج. ولذلك تحتاج مؤسسات الترجمة إلى برامج جادة لإعادة تدريب أساتذتها، وإلى استقطاب متخصصين يجمعون بين المعرفة اللغوية العميقة والكفاءة التقنية.
وثالثها هو إعادة تأهيل المترجمين الذين تخرجوا في المؤسسات التقليدية. فهؤلاء لا ينبغي أن يُنظر إليهم بوصفهم «مترجمين من الماضي»، وإنما بوصفهم يمتلكون رأس مال لغويًا وخبرة مهنية يمكن تحويلها إلى كفاءة جديدة من خلال التدريب على الذكاء الاصطناعي، والترجمة الآلية، والتحرير اللاحق، وضبط الجودة، وإدارة المصطلحات والذاكرات الترجمية.
ورابعها هو إدخال التدريب العملي الحقيقي. فلا يكفي أن يتعلم الطالب تعريفات الذكاء الاصطناعي، بل يجب أن يتدرب على مشروع ترجمة كامل: إدخال النص إلى النظام، تحليل المخرج، اكتشاف الأخطاء، التحرير، التحقق، المراجعة النهائية، ثم تسليم المنتج وفق معايير مهنية واضحة.
سادسًا: لا ينبغي أن نرى الذكاء الاصطناعي بوصفه عدوًا للمترجم
للتحول الجديد جوانب إيجابية لا ينبغي إغفالها. فالترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي يختصران الزمن، ويتيحان معالجة كميات ضخمة من النصوص، ويساعدان في توحيد المصطلحات، ويتيحان للمترجم التركيز على القضايا التي تتطلب حكمًا لغويًا وثقافيًا وتخصصيًا.
كما أن التكنولوجيا تفتح مجالات جديدة للمترجم: التحرير اللاحق، تقييم جودة الترجمة الآلية، بناء المصطلحات، إدارة البيانات اللغوية، تدريب الأنظمة، مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي، وتوطين المحتوى.
حتى في الترجمة الشفوية، لم يعد الذكاء الاصطناعي بعيدًا عن المهنة. فهناك أبحاث وتطبيقات تتناول التعرف الآلي على الكلام، ودعم المترجم في المقصورة، والترجمة الشفوية الآلية والفورية. وقد ناقشت مؤسسات أوروبية متخصصة هذه التحولات بصورة مباشرة، مع التأكيد على ضرورة إعداد المترجمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة.
ومن ثم، فالمواجهة الصحيحة ليست بين «المترجم» و«الآلة»، وإنما بين مترجم يستخدم التكنولوجيا ومترجم لا يستخدمها.
خاتمة: قول الحقيقة للطلبة
ونحن نحتفي باليوم العالمي للترجمة، فإن الأمانة العلمية تقتضي أن نقول لطلبتنا الحقيقة كاملة: الترجمة كما كانت تمارس قبل عقد من الزمن لم تعد هي النموذج الذي يمكن أن نبني عليه مستقبل المهنة.
لم تنتهِ الحاجة إلى الإنسان، ولم تنتهِ الترجمة البشرية بمعنى اختفاء المترجم؛ لكن وظيفة الإنسان داخل عملية الترجمة تغيرت بصورة جوهرية. فالمترجم ينتقل تدريجيًا من كونه المنتج الوحيد للنص المترجم إلى كونه خبيرًا في إدارة العملية اللغوية، ومحررًا ومراجعًا ومقيّمًا لمخرجات الأنظمة الآلية والذكاء الاصطناعي.
ولذلك فإن مستقبل مراكز الترجمة وأقسامها الجامعية لا ينبغي أن يكون في الدفاع عن الماضي، وإنما في الاستعداد للمستقبل. علينا أن نعيد تصميم المناهج، ونطور مهارات الأساتذة، ونعيد تأهيل الخريجين، ونحول مساقات الترجمة التحريرية تدريجيًا إلى مساقات تجمع بين الترجمة الآلية والتحرير اللاحق والكتابة المتخصصة والتدقيق وضبط الجودة.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا التحول هي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج نصًا، لكنه لا يعفي الإنسان من مسؤولية المعنى والدقة والأسلوب والثقافة والسياق.
إن مؤسسة الترجمة التي تتجاهل هذه الحقيقة ستجد نفسها خارج سوق الترجمة الجديد، أما المؤسسة التي تستوعبها فبإمكانها أن تحول التحدي إلى فرصة، وأن تنتقل من تعليم «كيف نترجم؟» فقط إلى تعليم السؤال الأكثر أهمية اليوم:
كيف نستخدم الآلة لإنتاج ترجمة أفضل، وكيف نمتلك نحن القدرة اللغوية والثقافية والتقنية للحكم على ما تنتجه؟
ذلك، في تقديري، هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نحتفل به في اليوم العالمي للترجمة.

زر الذهاب إلى الأعلى