مقالات وآراء

من ميناء عدن إلى دمت.. كيف تموًن وتموّل الشرعية خصمها الحوثي؟

بقلم: صالح الفضلي

أيُّ مفارقة أكثر فداحة من أن تخوض حكومة شرعية حربًا ضد الحوثيين، ثم تعجز عن إقناع المواطنين بأنها تمنع وصول الموارد والبضائع إلى مناطق سيطرتهم، بينما تظل تعز محاصرة، ويُترك مواطنوها لمواجهة واحدة من أقسى المآسي الإنسانية والمعيشية في البلاد؟
إنها ليست مفارقة عابرة، ولا سؤالًا يمكن دفنه تحت ركام التصريحات الرسمية، بل قضية تستوجب مساءلة سياسية واقتصادية مباشرة: هل تدرك الحكومة الشرعية أن بعض سياساتها التجارية والجمركية قد تتحول إلى شريان اقتصادي يستفيد منه الحوثيون في تمويل سلطتهم وحربهم؟ وإذا كانت تدرك ذلك، فلماذا يستمر هذا الوضع، ومن المسؤول عنه؟
الصحفي فتحي بن لزرق وضع يده على هذا التناقض حين اتهم الحكومة المعترف بها دوليًا بتمكين الحوثيين من الحصول على مختلف الاحتياجات والمواد عبر ميناء عدن، ودعا إلى وقف طريق الضالع–دمت للحد من تسرب البضائع إلى مناطق الجماعة.
إن خطورة هذا الطرح لا تكمن في الدعوة إلى إغلاق طريق بعينه فحسب، بل في السؤال الذي يفرضه على الحكومة: بأي منطق تُدار المعركة الاقتصادية مع جماعة تُعد خصمًا عسكريًا وسياسيًا للحكومة، فيما تبقى حركة البضائع إليها وإيراداتها المحتملة بحاجة إلى رقابة ومراجعة ومحاسبة؟
كيف تقنع الحكومة الناس بأنها تحارب الحوثيين، بينما لا تقدم للرأي العام كشفًا واضحًا عن حجم البضائع المتجهة إلى مناطقهم، والرسوم التي تُحصّل عليها، والجهات التي تجني عائداتها؟
هذه ليست تهمة يجوز إطلاقها بلا أدلة، لكنها أيضًا ليست أسئلة يجوز للحكومة التهرب منها. فالمسؤولية السياسية لا تتعلق فقط بما تصدره السلطات من قرارات، وإنما كذلك بما تسمح باستمراره، وبما تعجز عن ضبطه، وبما ترفض كشف تفاصيله للرأي العام.
فكل شحنة تصل إلى مناطق الحوثيين عبر طرق التجارة تطرح أسئلة عن مصدرها ومسارها والجهات التي تتولى نقلها، وعن الضرائب والرسوم التي قد تُفرض عليها. وإذا كانت هذه الإيرادات تصب في خزائن الجماعة، فإن استمرار التدفقات من دون رقابة فعالة قد يمنحها موارد إضافية تعزز قدرتها على إدارة مناطق سيطرتها وتمويل أنشطتها.
والأخطر من ذلك أن بعض المواد الصناعية، ومنها الحديد والأنابيب ومستلزمات الإنتاج، قد تكون لها استخدامات مدنية مشروعة، لكنها قد تدخل أيضًا ضمن سلاسل إمداد ذات استخدامات عسكرية. وهنا تصبح الرقابة مسؤولية أمنية واقتصادية لا تحتمل الإهمال، مع ضرورة التمييز بين المخاوف المتعلقة بالاستخدام المزدوج وبين أي ادعاء يحتاج إلى إثبات بشأن شحنات محددة.

إن ضرورة وقف طريق الضالع–دمت يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي. فإذا كان الطريق يُستخدم في تسرب البضائع التي تعود على الحوثيين بإيرادات، فما الإجراءات التي اتُّخذت للتحقق من ذلك؟
والمطلوب مراجعة شاملة لمسارات التجارة، وتشديد الرقابة الجمركية، وتعقب الإيرادات التي تجنيها الجماعة، ومحاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره أو تورطه في تسهيل عمليات غير مشروعة..
إذا ثبت أن مسؤولين يتساهلون عمدًا في تدفقات تجارية تمكّن الحوثيين من تحصيل الإيرادات أو الحصول على مواد محظورة، فإن الأمر يتجاوز الفشل الإداري إلى مسؤولية تستوجب التحقيق والمحاسبة وفق القانون. ولا يجوز أن تتحول المناصب العامة إلى مظلة تحمي المقصرين أو المتورطين من المساءلة.
إن المواطنين لا يحتاجون إلى مزيد من التصريحات بقدر حاجتهم إلى إجابات موثقة. يريدون معرفة من يراقب الموانئ، ومن يتابع حركة البضائع، ومن يحاسب الجهات المقصرة، ولماذا لا تنعكس موارد الدولة ومنافذها على تخفيف معاناة المواطنين ودعم المناطق المحاصرة؟
فإما أن تثبت الحكومة أنها تستخدم أدواتها الاقتصادية لتضييق الخناق على موارد الحوثيين، وإما أن تواجه مساءلة علنية عن أسباب استمرار هذه الثغرات ومن يتحمل مسؤوليتها.

لن يكون مقبولًا أن تبقى الصبيحة وتعز تدفع الثمن، وأن يظل المواطن عاجزًا عن معرفة أين تنتهي بضائعه وأين تذهب إيراداتها، فيما تكتفي الحكومة بمواقف عامة لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة في زمن الحرب ليس فقط قوة خصمها، بل أن تفقد ثقة شعبها في قدرتها على التمييز بين موارد الدولة ومصالح خصمها، وبين إدارة الحرب وإدامة أسبابها. وهذه الثقة لا تستعاد بالخطب، وإنما بالشفافية والتحقيق والمحاسبة والقرارات التي يلمس الناس نتائجها على الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى