مقالات وآراء

الـ21 من أكتوبر في لبنان ..من انفجار المروحية فوق طرابلس إلى ورقة الإصلاحات في السرآي

كتب: الشيخ أحمد سعيد العمودي

في تاريخ لبنان الحديث يأتي الحادي والعشرون من أكتوبر كيوم فاصل بين مرحلتين مرحلة الحرب الأهلية التي انتهت بانفجار مروحية ومرحلة الثورة الشعبية التي بدأت بورقة إصلاحات ففي نفس اليوم وبفارق تسعة وعشرين سنة سقط رئيس وزراء أسبق قتيلا في السماء وقدم رئيس وزراء ورقة لإنقاذ بلد ينهار في الشارع.

أولا اغتيال رشيد كرامي Rashid Karami في الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعين

ولد رشيد عبد الحميد كرامي في الثلاثين من أغسطس عام ألف وتسعمائة وواحد وعشرين في طرابلس Tripoli في شمال لبنان لعائلة سياسية سنية عريقة والده عبد الحميد كرامي كان مفتي طرابلس ورئيس وزراء لبنان عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين وأخوه عمر كرامي أيضا سيصبح رئيس وزراء لبنان مرتين ودرس رشيد الحقوق في جامعة القاهرة عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين ثم عاد إلى طرابلس وأصبح نائبا عن طرابلس وهو في سن الثامنة والعشرين عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين واستمر نائبا أربعين سنة متواصلة حتى إغتياله.

وتولى رئاسة وزراء لبنان ثماني مرات وهي حالة نادرة في العالم كله فأول مرة تولى فيها عام ألف وتسعمائة وخمسة وخمسين وعمره أربعة وثلاثون سنة فقط وآخر مرة تولى فيها عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين في عهد الرئيس أمين الجميل واستمر حتى اغتياله عام ألف وتسعمائة وتسعين وكان يسمى الرجل القوي في طرابلس وزعيم الشمال وكان معروفا بمواقفه القومية العربية المؤيدة لجمال عبد الناصر ثم لمنظمة التحرير الفلسطينية ثم لسوريا وكان يرفض اتفاق الطائف في البداية ثم وافق عليه عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين بشرط تعديله.

وفي صباح الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعين كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد انتهت عمليا بعد اتفاق الطائف الطائف Accord عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين وبعد هزيمة العماد ميشال عون Michel Aoun في الثالث عشر من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وتسعين أي قبل ثمانية أيام فقط من اغتيال كرامي عندما دخل الجيش السوري بدعم أمريكي قصر بعبدا Baabda Palace وأخرج عون إلى السفارة الفرنسية ثم إلى فرنسا.

وفي ذلك الصباح كان رشيد كرامي موجودا في طرابلس وكان رئيس وزراء في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس إلياس الهراوي Elias Hrawi وكان هناك اجتماع مهم في القصر الجمهوري في بعبدا لمناقشة تشكيل حكومة جديدة وتوزيع الحقائب وكان كرامي يجب أن يحضر وكان لا يستطيع السفر برا لأن الطرق كانت مقطوعة بسبب انتشار الجيش السوري والميليشيات فقرر السفر بمروحية عسكرية تابعة للجيش اللبناني من نوع بوما Puma فرنسية الصنع.

ففي الساعة التاسعة والنصف صباحا أقلعت المروحية من مطار القليعات Kleyate Airport العسكري شمال طرابلس وعلى متنها خمسة أشخاص رشيد كرامي عمره تسع وستون سنة ووزير الداخلية الأسبق سليمان العلي وثلاثة ضباط من الجيش اللبناني هم العقيد الطيار ريمون عزام والملازم أول جورج خوري والرقيب أول جوني خوري وكان الطقس صافيا والرؤية ممتازة.

وبعد دقيقتين فقط من الإقلاع وعلى ارتفاع ألف قدم فوق بلدة بيت جاشية Beit Jashiya في قضاء زغرتا Zgharta شمال لبنان وعلى بعد خمسة كيلومترات من مطار القليعات سمع سكان البلدة انفجارا ضخما في السماء وشاهدوا المروحية تنفجر إلى نصفين وتسقط مشتعلة في بستان زيتون فهرع الأهالي والجيش اللبناني إلى المكان فوجدوا جثة رشيد كرامي محترقة ومقطعة ووجدوا جثة سليمان العلي ووجدوا جثث الطيارين الثلاثة وكانت المروحية قد تدمرت بالكامل.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني أن الحادث ناتج عن عطل فني ولكن الناس في طرابلس لم يصدقوا لأن المروحية من نوع بوما حديثة وصيانتها جيدة فبدأت الشائعات تنتشر أن هناك قنبلة وضعت في حقيبة أحد المرافقين فشكلت لجنة تحقيق عسكرية برئاسة العميد الركن إميل لحود Emile Lahoud قائد الجيش آنذاك وتبين من فحص الصندوق الأسود وحطام المروحية أن انفجارا وقع داخل المقصورة الخلفية بقوة كيلوغرامين من مادة تي إن تي TNT موضوعة في حقيبة دبلوماسية كانت موضوعة خلف مقعد كرامي مباشرة.

وبعد التحقيق تبين أن الشخص الذي وضع القنبلة هو سامر حنا Samar Hanna وهو عنصر في القوات اللبنانية Lebanese Forces وكان يعمل كمرافق أمني لأحد السياسيين وكان قد وضع القنبلة في المطار قبل الإقلاع بمساعدة شخصين آخرين هما طوني عيسى وطانيوس الحاج وكان الدافع هو أن كرامي كان مؤيدا لسوريا وللوجود السوري في لبنان بينما القوات اللبنانية كانت ضد سوريا وكانت تريد منع كرامي من تشكيل حكومة موالية لسوريا.

فحكم القضاء العسكري اللبناني على سامر حنا بالإعدام ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة ثم أطلق سراحه عام ألفين وخمسة بموجب قانون عفو عام أصدره البرلمان اللبناني بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان ودفنت جثة رشيد كرامي في طرابلس في مقبرة العائلة في مسقط رأسه في جنازة حضرها مائة ألف شخص من كل الطوائف وكان يعتبر آخر زعماء لبنان التقليديين الذين تولوا الحكم قبل الحرب الأهلية واستمروا بعدها.

وباغتياله انتهى عصر الزعامات الطرابلسية القديمة وبدأ عصر جديد في لبنان بقيادة رفيق الحريري Rafic Hariri الذي تولى رئاسة الوزراء بعد كرامي بأشهر قليلة في السادس من نوفمبر عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين وبدأ مشروع إعمار بيروت.

ثانيا ورقة سعد الحريري Saad Hariri الإصلاحية في الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألفين وتسعة عشر

نقفز تسعة وعشرين سنة إلى الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألفين وتسعة عشر حيث كان لبنان يعيش أكبر أزمة اقتصادية واجتماعية منذ انتهاء الحرب الأهلية عام ألف وتسعمائة وتسعين فالدين العام وصل إلى ستة وثمانين مليار دولار أي مائة وستين في المائة من الناتج المحلي والبطالة وصلت إلى خمسة وثلاثين في المائة بين الشباب والكهرباء كانت تأتي ساعتين فقط في اليوم في بيروت وأربع ساعات في الجبل والناس كانوا يدفعون فاتورتين فاتورة للدولة وفاتورة لمولدات الأحياء والماء مقطوع والنفايات في الشوارع منذ عام ألفين وخمسة عشر والليرة اللبنانية التي كانت ثابتة منذ عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين عند ألف وخمسمائة ليرة للدولار بدأت تنهار في السوق السوداء.

وفي السابع عشر من أكتوبر عام ألفين وتسعة عشر قررت الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري فرض ضريبة جديدة مقدارها عشرون سنتا يوميا على استخدام تطبيق واتساب WhatsApp للمكالمات المجانية فانفجر الشارع اللبناني في نفس الليلة وخرج مئات الآلاف من الناس في بيروت وطرابلس وصيدا وصور وجونيه وزحلة وبعلبك وهم يهتفون كلن يعني كلن وثورة ثورة وأسقطوا صور الزعماء من الشوارع وقطعوا الطرقات بالإطارات المشتعلة وسميت هذه الاحتجاجات ثورة سبعة عشر تشرين أول October 17 Revolution وكانت أول ثورة شعبية في تاريخ لبنان تضم كل الطوائف السنة والشيعة والمسيحيين والدروز معا ضد كل الطبقة السياسية.

واستمرت الاحتجاجات أربعة أيام من السابع عشر إلى العشرين من أكتوبر وشارك فيها مليون ونصف مليون لبناني أي ربع سكان لبنان وأغلقت المدارس والجامعات والمصارف والطرقات وأصبح لبنان مشلولا تماما وكان سعد الحريري رئيس الوزراء ابن رفيق الحريري الذي اغتيل عام ألفين وخمسة في بيروت يحاول تهدئة الشارع فدعا في العشرين من أكتوبر إلى اجتماع طارئ لمجلس الوزراء في السراي الحكومي Grand Serail في بيروت واستمر الاجتماع ثماني ساعات من العاشرة صباحا حتى السادسة مساء.

وفي الحادي والعشرين من أكتوبر عام ألفين وتسعة عشر في الساعة السادسة والنصف مساء خرج سعد الحريري إلى الصحافيين في السراي الحكومي وهو يرتدي بدلة سوداء وقميصا أبيض وبدا متعبا جدا وقرأ ورقة إصلاحات اقتصادية من سبع عشرة نقطة كتبت على أربع صفحات وقال إنها إصلاحات تاريخية لم تحدث منذ مائة سنة.

وأهم ما جاء في الورقة هو أولا إلغاء وزارة الإعلام التي كان ينظر إليها كوزارة دعاية وثانيا إلغاء جميع مشاريع قوانين الضرائب الجديدة وخاصة ضريبة الواتساب وثالثا خفض رواتب الوزراء والنواب الحاليين والسابقين بنسبة خمسين في المائة وخفض رواتب الرؤساء والوزراء السابقين أيضا ورابعا إقرار قانون استعادة الأموال المنهوبة وإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة الفاسدين وخامسا إقرار قانون العفو عن السجناء المظلومين وسادسا دعم العائلات الفقيرة بمبلغ مائة مليار ليرة لبنانية شهريا وسابعا إقرار خطة كهرباء جديدة توفر الكهرباء أربع وعشرين ساعة خلال عام واحد بدلا من ساعتين وثامنا إلغاء جميع المجالس والصناديق الوهمية التي كانت تستنزف الدولة مثل مجلس الجنوب وصندوق المهجرين وتاسعا إقرار موازنة عام ألفين وعشرين بدون عجز أي صفر عجز لأول مرة منذ عشرين سنة وعاشرا فتح حساب خاص لإدارة أملاك الدولة واستعادة الأراضي المنهوبة على الشاطئ اللبناني.

وقال الحريري في خطابه إن هذه الورقة هي فرصة أخيرة لإنقاذ لبنان وإنها ستعيد ثقة المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي International Monetary Fund وإنها ستوفر خمسة مليارات دولار للخزينة وقال أعطونا فرصة وسنفذها خلال ثلاثة أيام.

ولكن الشارع اللبناني رفض الورقة فورا فبعد دقائق من إعلانها خرج المتظاهرون في ساحة الشهداء Martyrs Square في بيروت وساحة النور Al Nour Square في طرابلس وهم يصرخون كذاب كذاب وورقتك ما بتمرق وقالوا إن هذه الورقة هي نفس الوعود التي يسمعونها منذ ثلاثين سنة وإنهم لا يثقون بالطبقة السياسية كلها وإنهم يريدون إسقاط الحكومة كلها وليس ورقة إصلاحات.

واستمرت الاحتجاجات عشرة أيام أخرى حتى التاسع والعشرين من أكتوبر عام ألفين وتسعة عشر حيث استقال سعد الحريري في الساعة الرابعة عصرا وقال وصلت إلى طريق مسدود واضطررت لتقديم استقالتي تجاوبا مع إرادة اللبنانيين ثم دخل لبنان في فراغ حكومي لمدة ثلاثة أشهر حتى تولى حسان دياب Hassan Diab رئاسة الوزراء في الحادي والعشرين من يناير عام ألفين وعشرين.

ولكن ورقة الحادي والعشرين من أكتوبر بقيت وثيقة تاريخية لأنها كانت أول اعتراف رسمي من حكومة لبنانية بأن البلد مفلس وأن النظام الطائفي فشل وأن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من قطع رواتب السياسيين ومحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة وهي النقاط التي أصبحت فيما بعد مطالب صندوق النقد الدولي لإقراض لبنان.

ولهذا فإن الحادي والعشرين من أكتوبر في لبنان هو يوم يربط بين نهايتين نهاية الحرب الأهلية بانفجار مروحية رشيد كرامي فوق طرابلس عام ألف وتسعمائة وتسعين وبداية الثورة الشعبية بورقة سعد الحريري فوق بيروت عام ألفين وتسعة عشر وبين الحدثين درس واحد أن لبنان لا يمكن أن يحكم بدون طرابلس ولا يمكن أن يستقر بدون إصلاح حقيقي …..

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
الحادي والعشرون من أكتوبر في لبنان ..
من انفجار المروحية فوق طرابلس إلى ورقة الإصلاحات في السرآي …

زر الذهاب إلى الأعلى