29 أكتوبر يوم الجمهورية التركية

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
29 أكتوبر يوم الجمهورية التركية ..
اليوم الذي ماتت فيه سلطنة عمرها ستمئة عام، وولدت فيه جمهورية لا تزال تحكم نصف الشرق الأوسط …
عيد الجمهورية التركية Cumhuriyet Bayramı وهو العيد الوطني الأكبر في تركيا ففي 29 أكتوبر 1923 أعلنت الجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك إلغاء السلطنة العثمانية وإعلان تركيا جمهورية علمانية حديثة وانتخاب أتاتورك أول رئيس للجمهورية وأصبح هذا اليوم عطلة رسمية كاملة تبدأ احتفالاتها من الساعة الواحدة ظهرا يوم 28 أكتوبر وتستمر 35 ساعة بمسيرات المشاعل في أنقرة وإسطنبول ورفع الأعلام وعزف النشيد الوطني وترديد جملة أتاتورك الشهيرة غدا سنعلن الجمهورية.
حين تسأل أي تركي اليوم ما هو أكبر عيد في حياتك لا يقول لك عيد الفطر ولا عيد الأضحى بل يقول لك جمهوريت بايرامي عيد الجمهورية في التاسع والعشرين من أكتوبر فهذا اليوم ليس مجرد عطلة رسمية بل هو لحظة الميلاد الثانية للأمة التركية اليوم الذي انتقلت فيه تركيا من كونها بقايا إمبراطورية مريضة تحكمها سلالة آل عثمان إلى دولة حديثة تحكمها إرادة الأمة.
والقصة لا تبدأ في 29 أكتوبر بل تبدأ قبل ذلك بأربع سنوات من الهزيمة والذل
ففي أكتوبر 1918 استسلمت الدولة العثمانية للحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى ووقعت هدنة مودروس ودخلت الجيوش البريطانية والفرنسية والإيطالية واليونانية إلى الأناضول واحتلت إسطنبول وإزمير وأضنة ومرسين وأصبح السلطان محمد السادس وحيد الدين حبيس قصره في إسطنبول يوقع ما يملى عليه وفي 10 أغسطس 1920 وقع ممثلو السلطان معاهدة سيفر التي تقسم تركيا الحالية إلى خمس دول دولة أرمنية في الشرق ودولة كردية في الجنوب الشرقي ومنطقة يونانية في الغرب ومنطقة فرنسية وإيطالية في الجنوب ولا يبقى للأتراك إلا قرى حول أنقرة.
وفي تلك اللحظة المظلمة ظهر رجل كان جنرالا في الجيش العثماني اسمه مصطفى كمال باشا وكان قد انتصر في معركة جناق قلعة 1915 وكان بطلا قوميا فترك إسطنبول يوم 19 مايو 1919 ونزل في ميناء صامسون على البحر الأسود وبدأ ما سمي حرب الاستقلال حرب التحرير التي استمرت من 1919 إلى 1922 وجمع حوله الضباط الوطنيين عصمت باشا الذي سيصبح عصمت إينونو وفوزي باشا جاكماق رئيس الأركان وكاظم كارابكر قائد الشرق وعلي فتحي ورفعت بيلي.
وخاضوا حروبا ضد اليونانيين في إينونو وساكاريا وضد الفرنسيين في مرعش وعنتاب وضد الأرمن في قارص وفي 30 أغسطس 1922 حققوا النصر الحاسم في معركة دوملوبونار الكبرى وطردوا الجيش اليوناني من إزمير يوم 9 سبتمبر 1922م.
وبعد شهر واحد فقط أصدرت الجمعية الوطنية في أنقرة قرارا تاريخيا يوم 1 نوفمبر 1922 بإلغاء السلطنة العثمانية نهائيا بعد 623 سنة من تأسيسها على يد عثمان بن أرطغرل عام 1299 وبعد 470 سنة من فتح القسطنطينية عام 1453 فلم يعد هناك سلطان ولم يعد هناك عرش وبعث البرلمان برقية إلى السلطان محمد السادس يطلب منه مغادرة البلاد فهرب في 17 نوفمبر 1922 على متن البارجة البريطانية مالاتيا إلى مالطا ثم إلى سان ريمو في إيطاليا حيث مات فقيرا عام 1926م.
وأصبحت تركيا بلا نظام حكم فالسلطنة ألغيت والخلافة أصبحت شرفية بيد عبد المجيد أفندي ابن عم السلطان والجمعية الوطنية تحكم البلاد مؤقتا لكن مصطفى كمال كان يفكر في خطوة أكبر هي تحويل تركيا إلى جمهورية على غرار فرنسا وأمريكا وهي كلمة كانت مرعبة في ذلك الوقت لأن كلمة جمهورية تعني لا سلطان ولا خليفة ولا دين رسمي للدولة في عقل المسلم العادي.
وجاءت الليلة الفاصلة ليلة 28 أكتوبر 1923
كان مصطفى كمال مدعوا على العشاء في مزرعة شينكايا الصغيرة التي كانت مقرا له على أطراف أنقرة وكانت مزرعة متواضعة من الطين والخشب وكان حول المائدة عصمت باشا وفوزي باشا وكاظم باشا ومجموعة من النواب المقربين وكان الطقس باردا وكانت أنقرة قرية كبيرة بلا كهرباء ولا شوارع مرصوفة وكانوا يشربون الشاي على ضوء الفانوس.
وفجأة قال مصطفى كمال بصوت هادئ لكنه حاسم يا رفاق غدا سنعلن الجمهورية يارين جمهورييتي إيلان إيديجييز.
فسكت الجميع لأنهم فهموا أن هذه ليست فكرة بل قرار وأن مصطفى كمال إذا قال غدا سنعلن الجمهورية فهذا يعني أن القانون جاهز والتصويت مضمون وأن من يعارض سيقصى.
وفي صباح 29 أكتوبر 1923 الساعة العاشرة صباحا اجتمعت الجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة وكانت مبنى صغيرا من طابقين من الخشب المستورد من روسيا لأن تركيا لم تكن تملك مصانع وكان النواب يرتدون معاطف عسكرية قديمة لأن البلاد فقيرة بعد أربع حروب متتالية حرب طرابلس 1911 وحرب البلقان 1912 والحرب العالمية 1914 وحرب الاستقلال 1919
وصعد مصطفى كمال إلى المنصة وقرأ مشروع تعديل دستوري من مادة واحدة هو تعديل المادة الأولى من دستور 1921 ليصبح نصها شكل الحكومة التركية هو الجمهورية وأن السيادة بلا قيد ولا شرط للأمة وأن طريقة تنفيذها أن تدير الأمة نفسها بنفسها عبر نوابها.
ووقف النواب وصوتوا بالإجماع تقريبا وصرخوا عاشت الجمهورية ياشاسين جمهوريت.
ثم جرى انتخاب رئيس الجمهورية فورا فانتخب مصطفى كمال بإجماع 158 صوتا من أصل 158 نائبا حاضرا رئيسا للجمهورية التركية لمدة أربع سنوات ثم كلف صديقه عصمت باشا بتشكيل أول حكومة جمهورية وأعلن أن العاصمة هي أنقرة وليست إسطنبول لأن أنقرة هي رمز المقاومة والتحرير بينما إسطنبول هي رمز السلطنة والاحتلال.
ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء في تركيا
فبعد 5 أشهر فقط يوم 3 مارس 1924 ألغى أتاتورك الخلافة نهائيا ونفى عبد المجيد أفندي آخر خليفة عثماني وألغى المحاكم الشرعية ووحد التعليم وأغلق التكايا والزوايا الصوفية ومنع الطربوش والعمامة وفرض القبعة الأوروبية وبدل الحروف العربية بالحروف اللاتينية عام 1928 ومنح المرأة حق الانتخاب عام 1934 قبل فرنسا بعشر سنوات.
ولذلك يعتبر الأتراك أن 29 أكتوبر ليس مجرد استقلال بل هو ثورة كاملة انقلاب حضاري من الشرق إلى الغرب ومن السلطنة إلى الجمهورية ومن الشريعة إلى القانون المدني.
وكيف يحتفل الأتراك به اليوم
إن الاحتفال لا يشبه أي احتفال في العالم الإسلامي فهو لا يبدأ يوم 29 بل يبدأ يوم 28 أكتوبر الساعة الواحدة ظهرا بالضبط حسب القانون التركي للأعياد ويستمر 35 ساعة متواصلة.
وفي الساعة الواحدة ظهرا يتوجه رئيس الجمهورية ونواب البرلمان وقادة الجيش إلى ضريح أتاتورك في أنيتكابير في أنقرة وهو مبنى ضخم من الرخام على تل يطل على المدينة ويضع الرئيس إكليلا من الزهور الحمراء والبيضاء ويقرأ دفتر الشرف ثم يلقي خطابا قصيرا يردد فيه قسم الجمهورية.
وفي نفس الوقت تطلق 21 طلقة مدفعية من قلعة أنقرة
وفي المساء تضاء جسور البوسفور الثلاثة في إسطنبول جسر شهداء 15 يوليو وجسر السلطان محمد الفاتح وجسر السلطان سليم بألوان العلم التركي الأحمر والأبيض وتقام مسيرات المشاعل فانر ألايي في كل المدن يحمل فيها الشباب المشاعل ويسيرون من المدارس إلى الساحات وهم يرددون نشيد الاستقلال الاستقلال مارشي الذي كتبه الشاعر محمد عاكف أرصوي عام 1921م.
وفي المدارس يقرأ كل طفل تركي خطاب أتاتورك الموجه إلى الشباب التركي الذي يقول فيه يا شباب تركيا واجبكم الأول هو الحفاظ على استقلال الجمهورية التركية وحمايتها إلى الأبد وهذا هو الأساس الوحيد لوجودكم ومستقبلكم.
وفي القرى يعلق الفلاحون صور أتاتورك بجانب العلم التركي ويكتبون تحته عبارة نحن جنود الجمهورية جمهوريتين أسكيرليريز.
ولماذا 29 أكتوبر مهم حتى لغير الأتراك
لأن تركيا كانت أول دولة إسلامية في التاريخ تتحول من السلطنة إلى الجمهورية ومن الحكم الوراثي إلى الحكم المنتخب ومن الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية ومن التقويم الهجري إلى الميلادي ومن يوم الجمعة عطلة إلى يوم الأحد عطلة وكانت تجربة جريئة حاولت دول كثيرة تقليدها بعد ذلك في مصر وإيران وأفغانستان.
ومن لا يفهم 29 أكتوبر 1923 لا يفهم لماذا تركيا اليوم دولة علمانية في دستورها لكنها مسلمة في شعبها ولماذا جيشها يعتبر نفسه حارس الجمهورية ولماذا كل حزب سياسي تركي حتى الإسلامي منه يقول نحن نحافظ على الجمهورية ولماذا كلمة أتاتورك لا تزال مقدسة في تركيا بعد مئة عام.
إنه اليوم الذي قال فيه رجل واحد في مزرعة صغيرة غدا سنعلن الجمهورية فاستيقظت أمة كاملة من نوم ستة قرون ……
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
29 أكتوبر يوم الجمهورية التركية ..
اليوم الذي ماتت فيه سلطنة عمرها ستمئة عام، وولدت فيه جمهورية لا تزال تحكم نصف الشرق الأوسط …