مقالات وآراء

واقع التأهيل والتدريب الإعلامي في حضرموت

من مخرجات التعليم الجامعي إلى تحديات بناء مؤسسات مهنية عالية المستوى

كتب: أ. د. مسعود عمشوش

 

لم تعد قضية التأهيل الإعلامي في حضرموت مرتبطة بمجرد وجود أقسام جامعية تدرس الصحافة والإعلام أو بتزايد أعداد الخريجين، وإنما أصبحت تتصل بمدى قدرة المؤسسات الأكاديمية والتدريبية والإعلامية على بناء منظومة متكاملة لإعداد الصحفيين والإعلاميين، وتطوير مهاراتهم، وربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل والتحولات المتسارعة في صناعة الإعلام في هيمنة الوسائل والتكنولوجيا الرقمية.

فحضرموت، التي رفدت وسائل الإعلام في عدن والجزيرة العربية بكثير من الكوادر الرفيعة في مجالات الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وبما تمتلكه من إرث صحفي وثقافي وإعلامي، وبما شهدته من توسع في المؤسسات الإعلامية المحلية، تحتاج إلى كوادر مؤهلة لا تكتفي بمعرفة القواعد النظرية للعمل الصحفي، بل تمتلك مهارات التحرير والإنتاج والإدارة الإعلامية والصحافة الرقمية والتحقق من المعلومات.

لكن مراجعة واقع التأهيل الإعلامي في الوطن حضرموت -بآفاقة المعروفة- تكشف عن فجوة تستحق الدراسة بين التعليم الأكاديمي والتدريب المهني المستمر، وعن حاجة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية ومراكز التدريب ومنظمات المجتمع المدني.

لقد شكّل تأسيس قسم الصحافة والإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة حضرموت عام 2010 محطة مهمة في تاريخ التعليم الإعلامي بالمحافظة. وقد جاء تأسيسه بعد جهود أكاديمية قادها عدد من المهتمين بالتعليم الإعلامي، وفي مقدمتهم ابن قصيعر بالمشقاص الدكتور عبدالله عوض الحو، الذي أسهم في إعداد دراسة احتياجات القسم وخطته العلمية ومقرراته التدريسية، قبل إقرار تأسيسه بقراري مجلس الجامعة رقمي 179/2009 و32/2010.

واستقبل القسم دفعته الأولى بـ32 طالباً وطالبة، قبل أن يتوسع عدد الدارسين فيه إلى 158 طالباً وطالبة في مستوياته الثلاثة خلال عامه الثالث.

ولم يكن تأسيس القسم مجرد إضافة تخصص جامعي جديد، بل مثّل فرصة مهمة أمام الشباب والفتيات في حضرموت لدراسة الإعلام داخل محافظتهم، بعد أن كان الالتحاق بهذا التخصص يتطلب الانتقال إلى جامعات خارجها.

وعلى امتداد السنوات التالية تخرجت دفعات متعددة من القسم، والتحق عدد من خريجيه بمؤسسات إعلامية وصحفية في حضرموت، وأسهموا في رفد المشهد الإعلامي المحلي بكوادر أكاديمية ومهنية جديدة.

كما شهد القسم أنشطة تطبيقية، تضمنت إعداد الصحف الطلابية، ومشروعات التخرج في الأفلام الوثائقية والبرامج الإذاعية والفنون الصحفية، إلى جانب الأبحاث العلمية.

ومع ذلك، فإن مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على تأسيس القسم يفرض ضرورة تقييم تجربته، ليس من خلال عدد الخريجين فقط، وإنما عبر دراسة نوعية لمستوى تأهيلهم، ومدى ارتباط المناهج بالتطورات المهنية والرقمية والتكنولوجية، وحجم التدريب العملي الذي يحصلون عليه أثناء الدراسة.

فالشهادة الجامعية، مهما كانت أهميتها، لا تعني بالضرورة امتلاك خريجها المهارات الكافية لممارسة العمل الصحفي والإعلامي بكفاءة.

وتكشف بعض الشهادات المنشورة من داخل تجربة قسم الصحافة والإعلام بجامعة حضرموت أن قضية التدريب العملي كانت موضع نقاش منذ سنوات.

ففي حوار نشرته إذاعة سلامتك بالمكلا في ديسمبر 2014، تحدثت الدكتورة دعاء سالم باوزير والإعلامي أحمد زين باحميد عن واقع مخرجات القسم، وأشارا إلى محدودية فرص التدريب المتاحة للطلاب، مع الإشارة إلى إذاعات المكلا وسيئون وسلامتك وصحيفة 30 نوفمبر باعتبارها من المؤسسات التي يمكن أن توفر فرصاً للممارسة والتدريب.

وكانت الخلاصة التي أكدها المتحدثان أن الدراسة الجامعية تمثل مفتاحاً للدخول إلى المهنة، لكنها لا تغني عن الممارسة والمران واكتساب الخبرة.

وهذه الملاحظة تظل ذات أهمية حتى اليوم، خصوصاً مع التحولات التي شهدتها الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وانتقال جزء كبير من العمل الإعلامي إلى المنصات الرقمية.

فالتدريب المطلوب لم يعد مقتصراً على كتابة الخبر والتقرير وإجراء المقابلة، بل أصبح يشمل التصوير والمونتاج والإنتاج الرقمي والتحقق من المحتوى وإدارة المنصات وصناعة الفيديوهات القصيرة وتحليل البيانات.

ومن هنا، فإن تطوير قسم الصحافة والإعلام ينبغي أن يرتبط بإنشاء شراكات تدريبية دائمة مع المؤسسات الإعلامية، وإلزام الطلاب بساعات تدريب ميداني فعلية، وتقييم أدائهم داخل بيئات العمل الحقيقية.

وإلى جانب خريجي قسم الصحافة والإعلام بجامعة حضرموت، هناك عدد من أبناء حضرموت الذين درسوا الإعلام في الجامعات العربية وتحديدا المصرية، وخصوصاً في القاهرة، والتحق بعضهم بالعمل الأكاديمي والإعلامي، فيما اتجه آخرون إلى وظائف حكومية وإدارية بعيدة عن تخصصاتهم.

وهذه الظاهرة تستحق البحث والتوثيق، لا سيما أن المحافظة أنفقت موارد بشرية واجتماعية وتعليمية في إعداد كوادر متخصصة، وكان من المفترض أن تستفيد المؤسسات الإعلامية والجامعات من خبراتها.

ومن الضروري إجراء مسح لخريجي الإعلام الحضارم في الداخل والخارج، وتحديد مواقع عملهم الحالية، والتخصصات التي يمارسونها، ونسبة من لا يعملون في مجال دراستهم، ومدى استعدادهم للمشاركة في برامج التأهيل والتدريب.

وتقدم جامعة سيئون تطوراً مهماً في هذا المسار. ففي 19 أكتوبر 2026 نظمت كلية الآداب واللغات بالجامعة حلقة نقاشية حول استحداث برنامجي بكالوريوس الإعلام والآثار والسياحة، بمشاركة أكاديميين وإعلاميين وممثلين عن الجهات ذات العلاقة.

وقد تناول الدكتور عبد القادر عبد الرحمن بن شهاب، الذي لا يزال يعمل خارج مجال تخصصه الدقيق منذ نحو عشر سنوات، مبررات تأسيس برنامج الإعلام واحتياجات المجتمع والمتطلبات الأكاديمية. وقد انتهت الحلقة إلى التوصية بالتعجيل في فتح البرنامجين وفق الإجراءات الأكاديمية والتنفيذية اللازمة.

وهذه الخطوة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة وادي حضرموت، الذي يحتاج إلى إعلاميين قادرين على تقديم هذا الإرث وتوثيقه وتسويقه بمهنية. لكن التحدي الذي ينتظر جامعة سيئون هو ألا تكرر تجربة التعليم الإعلامي التقليدي، بل أن تؤسس برنامجاً حديثاً يجمع بين المعارف الإعلامية والمهارات الرقمية والتطبيق العملي، ويستفيد من خصوصية المنطقة في مجالات الإعلام الثقافي والسياحي والتراثي.

ومن القضايا التي تستحق النقاش أيضاً مسألة إدارة المؤسسات الإعلامية والأكاديمية في حضرموت، ومدى استثمار الكفاءات التي تخرجت من أقسام الإعلام المحلية. ففي نوفمبر 2025 كُلّف الدكتور أديب أحمد الشاطري، ابن لحج والأستاذ المحسوب أصلا على جامعة عدن، مديراً عاماً للإدارة العامة للإعلام بجامعة حضرموت، بموجب القرار رقم 139 لعام 2025.

ويجسد تكليفه اختياراً لأكاديمي يمتلك خبرة في التخصص، لكن ذلك يفتح نقاشاً أوسع حول معايير اختيار القيادات الإعلامية في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الحضرمية، ومدى الاستفادة من خريجي قسم الصحافة والإعلام بجامعة حضرموت في المواقع القيادية والإشرافية.

فالمؤسسات الجامعية ينبغي أن تكون نموذجاً في استثمار الكفاءات، وفي بناء مسارات مهنية تسمح للخريجين المتميزين بالانتقال من مقاعد الدراسة إلى مواقع الإنتاج والتخطيط والإدارة.

ولا يمكن إصدار حكم موضوعي بشأن توافر الكفاءات المحلية أو غيابها دون إجراء مسح لأعضاء هيئة التدريس والخريجين وخبراتهم ومؤهلاتهم.

وهناك سؤال آخر مهم: هل توجد في حضرموت مؤسسات غير جامعية متخصصة للتدريب الإعلامي؟

تكشف مراجعة المبادرات والأنشطة المنشورة أن حضرموت شهدت تجارب متعددة في التدريب الإعلامي، لكنها لم تتطور بعد، وفق ما أمكن التحقق منه، إلى منظومة تدريب مهني متكاملة ذات حضور مستدام في مختلف مناطق المحافظة.

ففي عامي 2018 و2019 نُفذت في وادي حضرموت برامج مكثف للدبلوم المهني في الإعلام، بإشراف جامعة حضرموت وتمويل مؤسسة العون للتنمية، واستهدف البرنامج الذي اختتم عام 2019 تدريب 40 إعلامياً وإعلامية من المرافق والمكاتب الحكومية والخاصة على مدى قرابة شهرين.

كما شهدت المكلا في أكتوبر 2020 ورشة متخصصة في كتابة القصة الإنسانية وصحافة البيانات والتحقق الرقمي، استهدفت 20 صحفياً وصحفية.

وفي فبراير 2026 نُفذت دورة لتطوير المحتوى الرقمي للإعلام التربوي، استهدفت 30 كادراً من العاملين في الإعلام التربوي بساحل حضرموت، بتمويل وتنفيذ مؤسسة حضرموت للتنمية البشرية.

وشهد أكتوبر 2026 كذلك دورة في التغطيات الصحفية لقضايا حقوق الإنسان بوادي حضرموت، نظمتها مؤسسة القسطاس بالشراكة مع المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين (صدى).

وتشير هذه الأنشطة إلى وجود جهود تدريبية حقيقية، لكنها في معظمها مرتبطة ببرامج ومشروعات محددة زمنياً، الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة إلى مؤسسة متخصصة تتولى التدريب بصورة منتظمة، وتبني برامج طويلة الأمد، وتتابع نتائجها المهنية.

وفي هذا السياق، تبرز مؤسسة آفاق وطن للتنمية الثقافية والتدريب الإعلامي، التي أشهرت نفسها رسميا يوم أمس 29 أكتوبر 2026. وتشير المعلومات المنشورة إلى أنها تعمل على إعداد برامج وأنشطة تستهدف بناء قدرات الشباب والكوادر الإعلامية، إلى جانب الاهتمام بالمجال الثقافي وتمكين المرأة. وتمثل هذه المبادرة فرصة يمكن أن تسهم في سد جانب من الفجوة القائمة في التدريب الإعلامي بحضرموت، لكن الحكم على دورها الفعلي ينبغي أن يرتبط بما ستنفذه من برامج ومشروعات، ومدى استمراريتها، ونوعية المدربين والمناهج، والنتائج التي تحققها.

فإشهار مؤسسة تحمل اسم التدريب الإعلامي لا يكفي لسد الثغرة، وينبغي النظر في إنشاء معهد مهني متكامل؛ إذ يتطلب ذلك برامج معلنة، وهيكلاً تدريبياً واضحاً، ومدربين متخصصين، وشراكات مع المؤسسات الإعلامية والأكاديمية، ونظاماً لتقييم المتدربين ومتابعة أثر التدريب.

كما أن وجود مؤسسات أخرى، مثل مؤسسة حضرموت للإعلام والتنمية ومؤسسة نداء حضرموت، التي تعلن عن مشروعات للتأهيل الإعلامي وأكاديميات للصحافة الرقمية ومعاهد للاستشارات الإعلامية، يؤكد أن هناك اهتماماً متنامياً بهذا المجال، وإن كانت درجة تنفيذ هذه المشروعات واستمراريتها تحتاج إلى تقييم مستقل.

إن معالجة أوجه القصور في التأهيل الإعلامي لا يمكن أن تتحقق عبر دورات قصيرة ومتفرقة، بل تحتاج إلى رؤية مشتركة بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني.

ويمكن تحديد أبرز المتطلبات في الآتي:

1. تطوير التعليم الجامعي: مراجعة مناهج أقسام الإعلام في جامعتي حضرموت وسيئون بما يواكب الصحافة الرقمية والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى والتحقق من المعلومات.

2. إنشاء مراكز تدريب مهني متخصصة: تتولى تنفيذ برامج منتظمة للصحفيين والإعلاميين، وتوفر التدريب العملي في التحرير والتصوير والمونتاج والإنتاج الإذاعي والتلفزيوني وإدارة المنصات الرقمية.

3. تأسيس شراكات مع المؤسسات الإعلامية: لإتاحة التدريب الميداني للطلاب والخريجين، وربط البرامج التدريبية باحتياجات المؤسسات الفعلية.

4. إجراء دراسة تتبع للخريجين: لحصر خريجي الإعلام في حضرموت وخارجها، وتحديد مواقع عملهم، وقياس مدى استفادة المؤسسات المحلية من خبراتهم.

5. تطوير برامج التدريب المستمر: بحيث لا يقتصر التأهيل على الطلاب والخريجين الجدد، بل يشمل الصحفيين والإعلاميين العاملين الذين يحتاجون إلى مواكبة التطورات المهنية والتكنولوجية.

6. تأهيل المدربين المحليين: عبر برامج متخصصة تتيح بناء قاعدة من المدربين الحضارم القادرين على نقل المعرفة والخبرات المهنية بصورة مستمرة.

7. إنشاء قاعدة بيانات إعلامية حضرمية: تتضمن المؤسسات والكوادر والتخصصات والاحتياجات التدريبية، وتساعد في تخطيط البرامج وفق معلومات واقعية.

وحتاما لا يسعنا إلا نقول إن الوطن حضرموت لا تبدأ من الصفر في مجال التأهيل الإعلامي؛ فلديها قسم جامعي عريق نسبياً، وخريجون يعملون في المؤسسات المحلية، وأكاديميون يمتلكون خبرات متخصصة، وتجارب تدريبية نفذتها الجامعات والمؤسسات الأهلية، فضلاً عن مبادرات جديدة تسعى إلى دخول هذا المجال.

لكن ما ينقص المشهد هو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى منظومة مؤسسية مستدامة، تربط التعليم الأكاديمي بالتدريب المهني وباحتياجات سوق العمل.

فالمطلوب ليس تخريج المزيد من حملة الشهادات في الإعلام فحسب، وإنما إعداد صحفيين وإعلاميين يمتلكون القدرة على البحث والتحقق والتحليل والإنتاج، وإدارة المؤسسات الإعلامية ومواكبة التحولات الرقمية. فالإعلام القوي لا تصنعه كثرة الشهادات، وإنما تصنعه المعرفة المتخصصة والتدريب المستمر والممارسة المهنية والمؤسسات القادرة على تطوير كوادرها.

زر الذهاب إلى الأعلى