أقدم من خوفو بآلاف السنين.. الهرم الأكبر يخفي سراً من العصر الحجري

كريترنيوز /متابعات /وائل زكير
ظلّت قاعدة الهرم الأكبر في الجيزة، والمصنوعة من الحجر الجيري، مخفيةً طوال معظم تاريخه. وقبل آلاف السنين، كانت أحجار مصقولة تحيط بالهيكل الأساسي وتشكل السطح الأملس الأصلي للهرم الأكبر.
ومع مرور الوقت، أُزيلت أعداد كبيرة من أحجار التغليف هذه من الموقع، لاستخدامها في أعمال البناء بمدينة القاهرة، فيما ساهم زلزال عام 1303 في تسريع عملية إزالة الأحجار.
أما أحجار التغليف التي بقيت في مكانها، فهناك سبب بسيط لبقائها حتى اليوم، إذ دُفنت تحت الرمال قبل أن يتمكن الناس من إزالتها من الموقع.
وبالاستناد إلى مجموعة من المعلومات التاريخية، من بينها تاريخ محدد جرى فيه الكشف عن جزء من الهرم الأكبر، وضع المهندس ألبرتو دونيني من جامعة بولونيا خطة لمحاولة تحديد عمر بعض الأسطح داخل الهرم.
واعتمدت فكرته على قياس مقدار التآكل الذي تعرض له كل سطح منذ اكتشافه عام 1303، ثم مقارنة هذا التآكل بمقدار التعرية التي كان يمكن أن يتعرض لها السطح نفسه لو ظل مكشوفًا منذ بناء الهرم الأكبر.
ماذا أظهر نموذج التعرية؟
في يناير 2026، نشر دونيني تقريرًا على موقع ResearchGate استند إلى قياسات لفقدان السطح في 12 نقطة على طول قاعدة الهرم.
وتعتمد طريقته، التي أطلق عليها اسم «طريقة التآكل النسبي» (REM)، على مقارنة نوعين متجاورين من الأسطح: حجر ظل محميًا بأغطية حتى العصور الوسطى، وحجر آخر ظل معرضًا للهواء منذ بنائه.
وكانت النتائج لافتة للغاية؛ إذ أظهر النموذج فترات تعرض تراوحت بين 5700 سنة وأكثر من 54 ألف سنة، بينما بلغ متوسط تاريخ البناء المقدّر نحو 22941 قبل الميلاد.
وأشارت فترة الثقة الإحصائية إلى أن النطاق المحتمل لبناء الهرم يقع بين 8954 قبل الميلاد و36878 قبل الميلاد.
وخلص دونيني إلى أن هناك احتمالًا بنسبة 68.2% لأن يكون الهرم قد بُني في وقت يقع ضمن هذا النطاق، وهو ما يضع تاريخ بنائه خارج الإطار الزمني المتعارف عليه، والذي يعود إلى نحو 2560 قبل الميلاد.
ويطرح التقرير، بناءً على ذلك، احتمالًا مثيرًا للجدل مفاده أن الفرعون خوفو ربما لم يكن هو من بنى الهرم الأكبر أصلًا، بل قام ببساطة بتجديد مبنى أقدم بكثير ونسب بناءه إليه.
لكن دونيني يوضح في تقريره حدود هذه الطريقة، مؤكدًا أن طريقة REM لا تقدم تاريخًا نهائيًا لبناء الهرم، وإنما تحدد نطاقًا احتماليًا.
ووُصفت الطريقة في الدراسة بأنها أداة لتقدير حجم التعرض والتعرية، وليس وسيلة لتحديد تسلسل زمني دقيق. كما أن التقرير لم يخضع لمراجعة الأقران.
أين تكمن المشكلة في هذه الطريقة؟
يعتمد مشروع REM على افتراض أساسي وصعب، وهو أن الحجر الجيري يتعرض للتجوية بمعدل ثابت يمكن التنبؤ به.
لكن مناخ مصر تغيّر بشكل كبير على مدار العصور، ولا سيما خلال فترة «العصر الرطب الأفريقي»، عندما كانت معدلات هطول الأمطار أعلى بكثير مما هي عليه اليوم.
ومن المحتمل أن تكون زيادة الرطوبة خلال تلك الفترات قد ساهمت في تسريع تدهور الأسطح الحجرية المكشوفة.
ولا يقتصر الأمر على هطول الأمطار وحده، إذ إن التعرض للرياح، وفترات تراكم الرمال، والنشاط الميكروبي، كلها عوامل تزيد من تعقيد عملية التعرية.كما أن ارتفاع معدلات السياحة حول الهرم خلال القرون الأخيرة يمكن أن يكون قد ساهم أيضًا في تدهوره المادي.
وتفترض الطريقة كذلك أن تركيب الأسطح التي تجري مقارنتها وحالتها الأصلية متطابقان، وهو أمر لم يتم التحقق منه بشكل مستقل.
ما طرق التأريخ الراسخة؟
لا يعتمد علم المصريات السائد على طريقة واحدة لتحديد عمر الأهرامات، وأوضح عالم المصريات والآثار مارك لينر لقناة PBS أن تأريخ الأهرامات يعتمد بشكل أساسي على موقعها ضمن التطور الطويل للعمارة والثقافة المادية في مصر، والذي امتد لنحو 3000 عام.
كما تتطابق الأواني الفخارية التي عُثر عليها في منطقة الجيزة مع أنماط السيراميك المعروفة من عهود خوفو وخفرع ومنقرع. وتشير نتائج التأريخ بالكربون المشع إلى الفترة الزمنية نفسها.
وكان توماس هيغام، الذي كان يعمل آنذاك في كلية الآثار بجامعة أكسفورد، قد أوضح لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كيف استخدم الباحثون بذورًا من مقبرة توت عنخ آمون، التي يعود تاريخها إلى فترة محددة بدقة، إلى جانب مواد نباتية من أسفل هرم سقارة المدرج، والمرتبطة بسنة محددة من حكم الملك زوسر، من أجل معايرة عمليات تأريخ الآثار المصرية.
كما تنسب النقوش الموجودة في المقابر والمحاجر المجاورة مشروع بناء الهرم إلى خوفو، وتتوافق هذه النقوش مع سجلات الأسرة الرابعة في مصر.
وتُعد هذه الأساليب أقل عرضة للتقلبات البيئية التي تجعل نماذج التأريخ القائمة على التعرية أكثر تعقيدًا. فعلى سبيل المثال، لن يؤدي تغير أنماط هطول الأمطار في مصر القديمة إلى تغيير تاريخ الكربون المشع المستخلص من الفحم الموجود في ملاط البناء.