آداب وفنون

سفاح الظلام_B_1977

قصة: مالك بلخياطي

 

هي قصة سفاح مغتصب مجهول الهوية ، بلغ عدد ضحاياه عشرة كلهم من النساء ، استطاع الهرب بجرائمه والتخفي مدة طويلة ،حتى وقع في آخر عمره قبضة العدالة ..!

كم هو جميل أن تستمتع بذوق ورائحة عجائن بيتزا نابوليتين ، انها نابولي الإيطالية ذات الجمال والأناقة ، مدينة تتاح فيها كل فرص الحياة ، وتجتمع فيها كل الطبقات من فقير معدم القوت ، ومكتنزا غني .

يمتلك أنطونيو بيلا كونتيراز ذو الخمسين من العمر أكبر محل لبيع الحلويات ،رجلا يهوى الشعر ذو إحساس مرهف إلا أنه لم ينجح في تأسيس أسرة رغم أنه جرب الزواج مرتين لكنه فشل فقرر مقاطعة النساء والاسئثار بالوحدة .

يتناهى الى سمعه قصص جرائم القتل مجهولة الفاعل التي تحدث في المدينة ،كل يوم تقتل امرأة بعد اغتصابها والقاتل لا يترك خلفه أثر إلا ورقة صغيرة مكتوب عليها B1977، جرائم تنفذ باحترافية ومازاد في غموضها ذلك التوقيع الذي يتركه خلفه حير رجال الشرطة …..!

دلف فرناندو محل صديقه انطونيو ليخبره بجريمة جديدة : لقد عثرو ليلة أمس على فتاة مقتولة في إحدى البيوت المهجورة …!

رد بإستغراب :من تكون هذه الفتاة ؟

أخبرني عنها أحد أصدقائي من الشرطة ويدعى بيدرو قال انها تدعى ليزا و تعمل ناذلة في إحدى الحاناة ، قتلها المجرم بعدما اغتصبها و كانت اثار التعذيب بادية على جسدها …!

وهل تعرفوا على هوية القاتل ..؟

قطب جبينه وقال: كعادته لم يترك خلفه إلا رسالة صغيرة ،انه فعلا لغز محير .

ثم أردف قائلا : يا ترى من يكون القاتل ،هل هو شخص واحد ام هم مجموعة …؟

اومأ برأسه و رد قائلا :يا صديقي لا علاقة لنا بهذا نشكر الرب أنه يفتك بالنساء فقط ، لو كان يقتل الرجال لأصبح التسكع في الليل خطر …!

كان لأنطونيو كشكول صغير يكتب فيه أشعاره ثم يخبأه في درج مكتبه ، لم يستطع احد أن يطلع عليه أو أن يقرأ ما فيه.

كانت تعمل لديه فتاتان إحداهما تدعى صوفي والأخرى كاميليا ، تقومان بتحضير الحلويات و تجهيزها وعرضها للزبائن ، ام هو فلا يغادر مكتبه في مدخل المحل ومهمته فقط تحصيل ثمن المشتريات ..!

لاحظت صوفي أنه لا يكتب اشعاره إلا عقب كل ليلة تقع فيها جريمة فزادت شكوكها وأرادت أن تعرف ما كان يكتبه في ذلك الكشكول…!

إستغلت ذات مرة فرصة ذهابه لقضاء حاجته، واسرعت إلى مكتبه ومن حسن حظها أنه لم يكن قد أغلق الدرج..

استخرجت الكشكول وقرأت ما كتب فيه وتفاجأت من ذلك ..!

لاحظت أن كل أشعاره رباعيات ، فقرأت أخر ما كتب وكانت كالأتي …

أخلدي الى دهليز ذكرياتي……إجمعي احلامنا يا ليزا

قاومي نبرات حزني ودمعي ……لا تخافي من ظلمات القبر

هكذا تهربي بجناحي همي ……هكذا تفعلي في مع سكري

سلبت من روحك كل قهري ……وداعا ليزا وداعا إلى الاسر

تأكدت شكوكها بأنه هو القاتل المجهول لأن أخر قتيلة كانت الناذلة ليزا ، وأبياته كلها كان يكتبها عن ضحاياه ، وإستطاعت في لمحة أن تلتقط بعض الأسماء من الأبيات الأخرى ،ومن بينها ..جوانا..ليليا ..باسيلا ،وكلها أسماء نسوة قتلنا من قبل .

أعادت الكشكول للدرج وأسرعت إلى مكانها ..

إنتبه عند عودته بأن الدرج قد فتح في غيابه ، وذلك من ترتيب الأغراض والكتب ، ولاحظ أن الكشكول وضع فوق الكتب وقد كان يضعه أسفلهم فعرف أن من فتحه قد قرأ ما فيه ..!

إستعان بكاميرات المحل ليعرف الفاعل ، وكانت قد نسيت وجودها بسبب إرتباكها ، فأيقنت أنه سيكتشف أمرها ، لكن الغريب في الأمر أنه لم يبدي اي ردت فعل اتجاهها بالعكس كانت تصرفاته معها طبيعية …

وفي تلك الليلة تسلق جدار منزلها وتسلل إلى داخله ، كانت تعيش وحيدة فغافلها وقتلها بعدما إغتصبها مرتين وهي مربوطة على سريرها منزوعة الملابس، وكعادته لم يترك خلفه إلا ورقة صغيرة مكتوب عليها B1977…

كان يعتقد أنه قد تخلص من شاهد الإثبات الوحيد بقتله صوفي ، لكن من سوء حظه أنها أخبرت صديقتها كاميليا بما قرأته وبأنها تشك بأنه هو القاتل المجهول..!

وفعلا في صباح اليوم الموالي بعد أكتشاف جثتها ، توجهت كاميليا إلى مقر الشرطة وابلغتهم بما أخبرتها به صديقتها قبل أن تقتل ..!

أحس أنطونيو بالخطر فأسرع بالهرب ، كان يعلم من قبل أنه سيفتضح أمره ذات يوم ،لذلك كان قد جهز حقيبة فيها كل ما يحتاجه من أموال وملابس وخبأها في إحدى زوايا بيته تحسبا للفرار والنجاة بنفسه ، إستطاع بفضل المال الوصول إلى البرتغال عبر الحدود البرية لثلاثة دول ،إيطاليا ثم فرنسا فإسبانيا وتمكن من الهرب عبر باخرة متجهة نحو البرازيل …!

هناك وفي ولاية توكانتينس إستطاع شراء بيت والإستقرار فيه ، غير كنيته وأصبح يدعى خرنيندو طوروس بيريرا تمكن من الحصول على الجنسية البرازيلية كل ذلك بفضل الدولارات الكثيرة التي يحملها معه ،لم يجد مشكلة في اللغة لأنه يتقن البرتغالية جيدا .،تزوج بإمرأة برازيلية تدعى ساندرا وأنجب منها بنتين وإشترى مطعم كبير وبدأ العمل فيه بمساعدتها ..!

تظاهر بالايمان والمواضبة على إرتياد الكنيسة كل يوم الأحد حتى يوهم زوجته وكل من يعرفه بأنه إنسانا متدين وسوي ،لكنه لم ينسى تلك الشفرة التي كان يتخذها توقيعا لجرائمه B1977. كان يكتبها دائما في مذكراته التي يدون فيها خواطره وأشعاره، وكلما سألته زوجته أو إحدى بناته يجيبهم بأنه يعتز به لأنه ذكرى من حياته القديمة ولم يخبرهم بمعناه أبدا …!

تأثرت إحدى بناته وكانت تدعى ميليانا بذلك الرمز المحبوب لأبيها العجوز ، فإستأثرته لنفسها ، أنشأت حساب على الفيسبوك وإتخذت ذلك الرمز إسما للصفحة ،لكنها تفاجأة برجال الشرطة يستدعونها لمديرية الأمن ، لم تستوعب الأمر في البداية لكن بعد التحقيق فهمت أنهم يريدون معرفة مصدر إسم حسابها ،فأخبرتهم أنه من ذكريات أبيها القديمة و أرادت تخليدها عبر صفحتها …!

كلفت فرقة مختصة للقبض على الشيخ خرنندو ذو الثمانين من العمر ، إستطاع بحنكته الإختباء والهروب بجرائمه لثلاثين سنة و حان وقت محاسبته ، أرسلت صورته إلى الأنتربول للتأكد وأتاهم الرد بأنه مطلوب في جرائم قتل حدثت في نابولي فتم تحويله إلى محكمة العدل الدولية لاهاي في هولندا لمحاكمته بتهمة جريمة ضد الإنسانية …!

لكن الحكومة الايطالية طالبت بتسليمه ليحاكم في البلد الذي نشأ وارتكب فيه جرائمه ،تم نقله إلى روما ومن ثم إلى نابولي ..

وأثناء المحاكمة سأله القاضي عن أسماء الضحايا والدافع لرتكابه كل تلك الجرائم ،وأهم سؤال هو ماذا يعني ذلك الرمز الذي كان يتركه خلفه فوق جثث ضحاياه …؟

أمسك حبل الحديث وأجاب قائلا : سيدي القاضي أول الأمر أطلب الغفران من عائلتي وأتمنى أن يسامحوني وأقسم بالرب أنني أحبهم كثيرا ،أم عن أسئلتك سيدي فقد وصلت إلى أخر العمر ولا يجدر بي الكذب أو التملص كما كنت أفعل من قبل ، ثم أخبرهم عن أسماء الضحايا و كيف كان يستدرجهن ويعذبهن ثم يقتلهن …!

أعاد القاضي سؤاله : سألتك عن الرمز ماذا كان يعني ولماذا كنت تتركه خلفك ؟

أردف قائلا : B هو أول حرف من إسم زوجة أبي بوكيتا ،أما 1977 فهي السنة التي قتلت فيها أبي بالسم وضعته له في كوب الخمر …!

صدرت عن القاضي إيماءة إزدراء قوية ثم قال له :ما الدافع لقتلك أبيك …؟

زم شفتيه ثم رد قائلا :كنت في سن السادسة عشر عندما توفيت أمي فقرر أبي الزواج بعدها ، كانت بوكيتا إمرأة جميلة فاتنة تسلب العقول فوقعت صريع عشقها ، كانت كلما صادفتني تسحرني بنظراتها وابتسامتها الجميلة فتوهمت أنها تبادلني الحب ، فقررت التخلص من أبي حتى أستفرد بها ،لكن خاب ظني فقد غادرت المنزل بعد شهر أزعجتها ملاحقاتي .!

أجفل قليلا ثم أردف قائلا :بحثت عنها كثيرا لكنها إختفت وأحسست أنها خدعتني وهي سبب في قتلي لأبي لذلك عاهدت نفسي أن انتقم من كل النساء الفاتنات وكلما أغتصبت إمرأة أرى ملامح زوجة ابي في وجهها فأتلذذ في تعذيبها ثم أقتلها انتقاما وأترك تلك الورقة حتى تعرف بوكيتا وكل الفاتنات أنني اكرههن …!

إستطرد القاضي قائلا :كرهك لزوجة أبيك ليس مبررا لقتلك تلك نسوة البريئات اللواتي لا ذنب لهن إلا أنهن وثقن فيك ..!

ثم نطق بالحكم :بعد الإطلاع على تفاصيل القضية و الجرائم المرتكبة منذ الثلاثين عام بسابق الإصرار والترصد ،وبعد إعتراف المتهم
قرر المحكمة بالحكم على المتهم أنطونيو بيلا كونتيراز بالاعدام رميا بالرصاص .

رفعت الجلسة.

زر الذهاب إلى الأعلى