مدينة الألوان.

قصة : عيشة صالح محمد
كان هناك خمسة أصدقاء يعيشون في مدينة الرسوم والألوان، هم عبارة عن أقلام تلوين، أحمر وأزرق وأخضر وأصفر وبني، حياتهم مليئة بالمغامرات والبهجة والفرح، يلعبون معا ويلونون معا أجمل الرسوم. وكانوا يتلقون المدح والإطراء والكثير من الهدايا والمنح؛ لبثهم البهجة والسرور في مدينتهم، وفجأة في أحد الأيام حدث شيء عجيب، حين انتهوا من تلوين رسم لغابة مليئة بالأشجار، قال اللون الأخضر بزهو:
“لولا وجودي أنا والبني لما أصبح هذا الرسم وكل الرسوم بهذا الجمال”
قال البني مؤكداً كلام صديقه الأخضر:
نعم، فأنا لونت كل جذوع الأشجار وأغصانها، وأنت لونت أوراقها، فأصبحت غابة جميلة، إن أصدقاءنا محظوظون بوجودهم معنا، لا أعلم كيف سيفعلون دوننا،
اعترض الأحمر وقال :
هذا ليس عدلاً كلنا مشتركون في تلوين الرسوم
رد الأخضر:
لكن ليس بأهمية ما نقوم به أنا والبني،
اشتاط الأزرق غضبا وقال :
لقد أصابكم الغرور، وهذا ليس في صالح الجميع، علينا أن نعمل بروح الفريق.
أشاح البني بوجهه وقال :
لا يهم نحن مكتفون بأنفسنا دونكم.
اقترب الأصفر من وجه البني وقال بغضب :
سنفترق عنكم وستندمون.
وبعدها ذهب الأصفر ومعه الأزرق والأحمر في طريقهم، ومضى الأخضر والبني في اتجاه آخر غير آبهين لما حدث.
وانقضت أيام وهم على حالهم من التفرق، وفي يوم من الأيام وجد الأخضر وصديقه البني لوحة فيها رسم جميل للسماء ومن تحتها نهر جارٍ وعلى جنباته العشب، وفيه قارب صغير، قال الأخضر:
هيا يا صديقي لنلونها بألواننا الجميلة.
اقترب البني من الرسم وشرع في التلوين، ثم توقف حائرا وقال :
ولكن يا صديقي، الرسم فيه سماء وشمس ونهر، كيف سنلون هذا؟ نحتاج للأزرق والأصفر.
صاح الأخضر:
لا، لا تقل ذلك سنتدبر أمرنا، أكمل أنت تلوين القارب وأنا سألون العشب، ثم سنفكر بحل لبقية الرسم.
انتهى الأخضر والبني من التلوين سريعا فمساحة رسم العشب والقارب صغيرة مقارنة بمساحة السماء والنهر، فأخذا بعد ذلك ينظران إلى الرسم ثم ينظران إلى بعضهما البعض، بعدها قال البني :
هاا .. ماذا بعد ذلك يا صديقي؟
قال الأخضر: انتظر لا تشوشأ
أفكاري،
ظلا يفكران وقتا طويلا ولم يتوصلا لحل، قال الأخضر:
يبدو أن تلويننا سيبقى هكذا ناقصا يا عزيزي.
قال البني : لا مستحيل، هذا يعني أننا سنشوه الرسوم بدلا عن تلوينها.
تلفت الأخضر حوله ثم همس في آذن البني :
دعنا نراقب بقية الألوان من بعيد لنرى ما يفعلون.
قال البني : حسنا هيا بنا.
كان الأزرق ورفاقه الأحمر والأصفر يتجولون في حديقة الرسوم، اختاروا رسما أعجبهم وقرروا تلوينه، قال الأزرق لأصدقائه:
ما رأيكما أن نقوم بتلوين هذا الرسم الجميل؟
أجاب الأصفر:
إنه رسم بديع، ما أجمل بستان التفاح والبرتقال، والسماء الصافية والشمس المشرقة.
قال الأحمر:
انتظرا، ألا تلاحظان أننا سنواجه مشكلة، فأشجار التفاح والبرتقال أوراقها خضراء وجذوعها بنية؟ وأصدقاؤنا الأخضر والبني قد تخلو عنا.
ضحك الأخضر وهو مختبئ خلف شجرة مع صديقه وقال:
أسمعت؟ إنهم يحتاجوننا، ولن يستطيعوا فعل شيء دوننا، سيأتون إلينا مرغمين، فلنتابع.
قال البني وهو يشارك صديقه الضحك :
صدقت، وعندما يرجعون إلينا سنجعلهم تبعا لنا، وسنرمي لهم الفتات.
وعلى الجانب الآخر ابتسم الأزرق وقال مطمئنا صديقه الأحمر:
لا تقلق يا عزيزي نحن لن نعجز عن التلوين، ولن يؤثر خذلان أصدقائنا لنا على مواصلة طريقنا وتلوين رسومنا.
قال الأخضر لصديقه البني ساخرا:
من أين يأتي هذا الأزرق بكل هذه الثقة؟ يا له من أحمق.
وبدأ الأصدقاء الثلاثة بالعمل، لون الأزرق السماء الصافية، ولون الأصفر الشمس الساطعة، ولون الأحمر ثمار التفاح فوق الأشجار، ثم أخذوا يتأملون الرسم، فقال الأحمر بأسى:
لا ينقص رسمنا الجميل سوى تلوين أوراق الأشجار وجذوعها وثمار البرتقال.
قال الأزرق :
لن ينقص رسمنا شيئا، الحل بأيدينا، ولن نتنازل لأي مغرور.
قال الأصفر:
هل لديك خطة؟
رد الأزرق بيقين :
نعم، أنا وأنت يا عزيزي الأصفر نتحد وباتحادنا ينتج اللون الأخضر، لتلوين الأوراق، ثم تتحد أنت والأحمر ، فينتج اللون البرتقالي لتلوين ثمار البرتقال، وفي الأخير نتحد نحن الثلاثة فينتج اللون البني لتلوين جذوع كل الأشجار.
ابتهج الأحمر والأصفر وقالا معا: فكرة رائعة، فلنوحد جهودنا معا.
نفذ الثلاثة الألوان خطتهم، وأصبح رسمهم مكتملا وأنيقا وفي غاية الروعة.
ومن وراء الشجرة كان الأخضر والبني يراقبان ما يحدث، فازدادا غيظا وحنقا من نجاح الأزرق ورفاقه، وكانا يظنان أنهم بابتعادهم سينتهون، قال البني :
أنظر يا صديقي إنهم ماضون في تلوينهم ولم يتأثروا بشيء.
قال الأخضر:
يبدو أننا تسرعنا في الحكم عليهم.
سأل البني صديقه:
لم لا نطبق أنا وأنت خطتهم؟
رد الأخضر:
لا نستطيع يا صديقي، فاتحادنا نحن الاثنان لن ينتج إلا لونا بنيا قاتما.
قال البني بأسف :
هذا يعني أن كل رسومنا ستكون ناقصة خلاف رسوم أصدقائنا السابقين، فهي جميلة ومكتملة، لقد تورطنا.