روحانيات رمضان في مرايا الفن.. جماليات على إيقاع التأمل

كريترنيوز/ متابعات /البيان /سارة البلوشي/دبي
في شهر يتبدل فيه إيقاع الحياة نحو مزيد من السكينة والروحانيات والهدوء وراحة البال والطمأنينة، يجد الفنانون مساحة مختلفة للتعبير وإعادة اكتشاف علاقتهم بالفن.
فالأجواء الروحانية التي تميز رمضان لا تقتصر على البعد الديني فحسب، بل تمتد لتنعكس على التجربة الإبداعية، حيث تتقاطع لحظات الصفاء الداخلي مع أسفار الفن في عوالم المعنى والجمال، وهناك من يرى الشهر فرصة لمراجعة التجربة الفنية وتطويرها، ومن يعتبره زمناً لتعميق الإحساس والإنصات للصوت الداخلي، وبذلك تتشكل رؤى متعددة لفنانين تشكيليين حول أثر رمضان في مساراتهم الإبداعية وانعكاس ذلك على أعمالهم الفنية.
في هذا الصدد، يقول الفنان التشكيلي والخطاط خالد الجلاف، إن شهر رمضان يمثل مساحة ملهمة للإبداع الفني، لما يحمله من روحانيات تدعو إلى الهدوء والتأمل وتنعكس إيجاباً على تجربة الفنان وأعماله، وإن ارتباط الصائم، الخطاط أو الفنان عموماً، بالقرآن الكريم، وصلواته في الشهر الكريم، بجانب استماعه للآيات والأحاديث، مسائل تفتح أمامه آفاقاً أوسع للتفكر واستلهام موضوعات تتحول إلى لوحات خطية تعبر عن المعاني الإيمانية والجمالية.
وأشار الجلاف إلى أن أجواء الشهر الفضيل، خصوصاً خلال الفترات المسائية حتى قبيل الفجر، تمنح الفنان صفاء ذهنياً يساعده على بلورة أفكار جديدة، كما تسهم اللقاءات والتجمعات الرمضانية في تبادل الرؤى الفنية وتعزيز عرض الأعمال الإبداعية.
ولفت خالد الجلاف إلى أن الشهر الكريم يشهد نشاطاً ملحوظاً في معارض الخط، ما يتيح للفنانين الاطلاع على تجارب مختلفة مستلهمة من روح رمضان، مبيناً أن كثيراً من الفنانين يوظفون هذه الفترة للتأمل والاستعداد لإنتاج أعمال فنية تُنجز وتُعرض بعد انتهاء الشهر الكريم.
وفي هذا الخصوص، أوضح الفنان التشكيلي د. محمد يوسف، أن المبدع يحتفظ بأسلوبه وهويته الفنية في مختلف الأوقات، مشيراً إلى أن الإبداع يمثل بحثاً بصرياً ثابتاً يحافظ من خلاله كل فنان على بصمته الخاصة في أعماله.
وأضاف أن شهر رمضان المبارك، ورغم طابعه الروحاني، يعد فرصة للتفكير والتأمل، إلى جانب كونه مساحة مناسبة لمراجعة الأعمال الفنية وتطويرها.
وترى الفنانة التشكيلية فاطمة الحمادي، أن الشهر الفضيل يغير الكثير في الذخر الإبداعي للفنان وطبيعة حساسيته الفنية والإبداعية، ذلك قبل أن يغير أدواته، إذ يخف وقع الإيقاع الخارجي، ما يفسح المجال للصوت الداخلي ويقرب الفنان من مشاعره وتفاصيله العميقة.
وأوضحت فاطمة الحمادي، أن الهدوء والصمت النسبي وتقليل الضجيج اليومي عوامل تجعل الفنان أكثر انتباهاً للتفاصيل غير المرئية، لافتة إلى أن الإبداع في رمضان يختلف من حيث العمق لا الكم، فقد يقل الإنتاج أحياناً لكنه يصبح أكثر تركيزاً وصدقاً.
وتابعت: «إن الفنان لا يبحث خلال الشهر الفضيل عن الإبهار بقدر بحثه عن المعنى والشعور الحقيقي، بالإضافة إلى أن الأجواء الروحانية تنعكس على الأعمال الفنية من خلال بساطتها ونقائها، وتميل إلى الاختزال والمساحات الهادئة وحضور الضوء والظل بإيقاع متزن».
واستطردت: «إن رمضان يذكر الفنان بأن الفن ليس دائماً صرخة بل قد يكون همساً صادقاً وتأملاً طويلاً ومحاولة لفهم الذات والعالم بعمق أكبر، حيث يصبح الفن فعل إصغاء قبل أن يكون فعل تعبير».
ويقول الفنان حميد النعيمي: «سواء خلال شهر رمضان أو غيره، فإنه في اللحظة التي تتولد فيها لدى الفنان فكرة لوحة لا بد أن يسارع إلى تنفيذها وألا يتكاسل عنها، حتى لو بدأ برسم جزء منها، لأن الفكرة تشبه الخيال وقد تختفي خلال ثوانٍ أو ساعات».
وأضاف: «من المؤكد أن الإبداع في رمضان له خصوصية.
ولكن طبيعة الإبداع، في العموم، ترتبط بلحظة الالتقاط الأولى، لذلك يحرص الفنان على تثبيت الفكرة سريعاً قبل أن تفقد بريقها.
وعلينا أن نعي أن منوال الاختلاف في مسارات الإبداع خلال الشهر الكريم يتركز غالباً على تغير أوقات الرسم والعمل الفني، إذ تغدو ساعات العمل الإبداعي مركزة أكثر في الفترات المتأخرة من اليوم، حيث يسود الهدوء وصفاء الذهن، ما يمنح الفنان مساحة أكبر للتركيز وإنجاز أعماله بروح مختلفة».