آداب وفنون

كتاب «العشر مقالات في العين»لحُنين بن إسحاق العبادي طبيب العين العربي من القرن التاسع الميلادي

مع كتاب «العشر مقالات في العين» يطلّ علينا طبيب عربي من القرن الثالث الهجري، أي القرن التاسع الميلادي، لا بوصفه اسماً في كتب التراث، بل بوصفه مثالاً نادراً على أن العلم يمكن أن يكون رسالة إنسانية رفيعة.

 

 

كما هو أبو زيد حُنين بن إسحاق العبادي، ولد لأب صيدلي في الحيرة حيث بابل، العربي المسيحي، الذي جعل من العين موضوعاً للمعرفة الدقيقة، ومن الطب رسالة أخلاقية، في كتابه الشهير هذا، لا نقرأ تاريخ مرض أو تشريح عضو فحسب، بل نقرأ لحظة ولادة العقل الطبي العربي المنهجي، حين قرر أن يرى العالم بعين علمية، وبضمير إنساني.

إن بدأنا أولاً بسيرة وهوية الطبيب حنين بن إسحاق، فهو ينتمي إلى جماعة العِباد، وهم عرب الحيرة المسيحيون، نخبة علمية وثقافية عريقة سبقت الإسلام، وعُرفت بالطب والكتابة والترجمة.

 

 

وشكّلت إحدى أقدم الطبقات المتعلمة في العراق. ولم يكن ابن إسحاق سريانياً كما تقول بعض المصادر، لكنه نشأ في هذه البيئة، محاطاً بلغتين حيّتين، وهما العربية والسريانية، قبل أن يتقن اليونانية والفارسية لاحقاً،.

ولم يكن انتقاله من الحيرة إلى بغداد انتقال طالب علم فحسب، بل عبوراً من مدينة ثقافية قديمة إلى عاصمة مشروع حضاري جديد.

في بيت الحكمة، مركز الترجمة والبحث في العصر العباسي، بزغ نجمه سريعاً، حتى صار كبير المترجمين وأحد أبرز أطباء عصره، وطبيباً مقرباً من الخليفة المتوكل.

 

غير أن شهرته لم تقم على القرب من السلطة، بل على أمرين نادرين: الدقة العلمية الصارمة، والاستقامة الأخلاقية. يُروى أنه رُغِّب ورُهِب ليصنع سمّاً للخليفة، فرفض قائلاً إن الطب وُضع للشفاء لا للقتل. موقف بسيط في ظاهره، لكنه كافٍ ليجعل من صاحبه نموذجاً خالداً لأخلاقيات العالِم.

 

كتاب العشر مقالات في العين

ألّف حُنين كتابه باللغة العربية، في زمن لم يكن فيه التأليف العلمي المتخصص قد استقر بعد، فجاء كتابه خطوة متقدمة في تاريخ الطب، وولادة في علم التخصص، يتكوّن من عشرة فصول منهجية دقيقة، تناول فيها ما يلي:

 

 

تشريح العين، ووظائف الإبصار، وأسباب أمراضها، وتصنيف العلل، وطرق العلاج الدوائي، والجراحي.

 

وأمراض الجفون والقرنية والعدسة، وأساليب الوقاية.. لم يكن الكتاب تجميعاً لملاحظات متفرقة، بل وضح بنية العين بشكل هرمي، وأجزاءها الدقيقة إلى العدسة، التي وصفها بالشفافة البيضاء.

وهيكل علمي متقدم، ولم يقدم بناءً يعتمد على التراث اليوناني، خاصة جالينوس (طبيب وُلد في بيرغامون التركية) الذي شرح العين بأنها شبيهة بالعدسة المسطحة، لكن حُنين الذي ترجم علم جالينوس إلى العربية، تجاوزه فيما بعد بالتنظيم والتصنيف والتجربة، بأن شرح العين أنها بلورية وفي مركز العين..

 

وأن خلف العين مرتبط بالدماغ، إلى أن وصل المشيمية وشرحها ثم عن النظام المسؤول عن حماية العين، من المستوى الخارجي إلى أن يصلها الضوء…

ولهذا عُدّ من أقدم وأدق الكتب المتخصصة في طب العيون في تاريخ الطب العالمي، فاختياره العين لم يكن تفصيلاً عابراً، فهي أولاً عضو المعرفة الأول، وبوابة الإنسان إلى العالم.

من بغداد إلى أوروبا

أمّا عن رحلة الكتاب وتأثيره، فلم يبقَ كتاب «العشر مقالات في العين» حبيس المكتبات العباسية، فقد تُرجم مبكراً إلى السريانية، ثم إلى اللاتينية في العصور الوسطى، وانتشر في مدارس الطب الأوروبية، ولا سيما في إيطاليا وفرنسا.

 

 

ظل الكتاب مرجعاً أساسياً في تدريس طب العيون في الغرب حتى القرن السابع عشر، واستند إليه أطباء أوروبيون كبار في تصنيف الأمراض العينية، ووصف

الجراحات الدقيقة، ليصبح جزءاً من البنية التحتية للطب الحديث. بهذا المعنى، لم يكن حنين مؤلفاً عربياً فقط، بل حلقة مركزية في سلسلة انتقال المعرفة من اليونان إلى العرب، ومن العرب إلى أوروبا.

 

معلموه وتلامذته

تتلمذ حنين في بداياته على أطباء المدرسة السريانية في العراق، وتأثر بوجه خاص بتراث جالينوس وأبقراط، اللذين أعاد قراءتهما نقدياً، لا بوصفهما سلطتين مقدستين، بل نصوصاً قابلة للفحص والتصحيح، أما تلامذته.

 

فكان أبرزهم ابنه: إسحاق بن حنين، الذي واصل مشروع الترجمة والتأليف الطبي، وكذلك حبيش الأعسم، ابن أخته، وأحد كبار مترجمي الطب في الدولة العباسية.

 

وكذلك مجموعة من أطباء بيت الحكمة، وهو كان مسؤولاً عنها بعد أن عينه الخليفة المأمون عليها، كما أسس لما يمكن تسميته بالمدرسة الطبية البغدادية..

وبهؤلاء لم ينته أثر حنين بموته، بل تحوّل إلى تقليد علمي ممتد. بعد أكثر من ألف عام، لا يُذكر حنين بن إسحاق العبادي (808 – 873م) لأنه طبيب ماهر فحسب، ولا لأنه مترجم عبقري فقط، بل لأنه أعطى للعلم وجهاً أخلاقياً، وللمعرفة لغة عربية دقيقة.

وللعين مكانتها بوصفها أول طريق إلى الفهم، في زمن تختلط فيه المعرفة بالضجيج، والمهارة بالمصلحة، يعيد إلينا طبيب الحيرة درساً بسيطاً وعميقاً، حين قال: «إن أعظم الاكتشافات تبدأ، حين ننظر جيداً».

حُنين بن إسحاق وضّح بنية العين بشكل هرمي وأجزاءها الدقيقة

 

تُرجم كتابه إلى السريانية ثم اللاتينية في العصور الوسطى وانتشر

 

في مدارس الطب الأوروبية وظل مرجعاً أساسياً في الغرب حتى القرن السابع عشر

 

المصادر:

الموسوعة الإلكترونية للإسلام.

 

مقالة لحنين بن إسحاق في الموسوعة العربية.

 

حنين بن إسحاق على الموسوعة البريطانية

 

موسوعة تاريخ العلوم العربية
زر الذهاب إلى الأعلى