كتاب «العشر مقالات في العين»لحُنين بن إسحاق العبادي طبيب العين العربي من القرن التاسع الميلادي

كما هو أبو زيد حُنين بن إسحاق العبادي، ولد لأب صيدلي في الحيرة حيث بابل، العربي المسيحي، الذي جعل من العين موضوعاً للمعرفة الدقيقة، ومن الطب رسالة أخلاقية، في كتابه الشهير هذا، لا نقرأ تاريخ مرض أو تشريح عضو فحسب، بل نقرأ لحظة ولادة العقل الطبي العربي المنهجي، حين قرر أن يرى العالم بعين علمية، وبضمير إنساني.
وشكّلت إحدى أقدم الطبقات المتعلمة في العراق. ولم يكن ابن إسحاق سريانياً كما تقول بعض المصادر، لكنه نشأ في هذه البيئة، محاطاً بلغتين حيّتين، وهما العربية والسريانية، قبل أن يتقن اليونانية والفارسية لاحقاً،.
ولم يكن انتقاله من الحيرة إلى بغداد انتقال طالب علم فحسب، بل عبوراً من مدينة ثقافية قديمة إلى عاصمة مشروع حضاري جديد.
في بيت الحكمة، مركز الترجمة والبحث في العصر العباسي، بزغ نجمه سريعاً، حتى صار كبير المترجمين وأحد أبرز أطباء عصره، وطبيباً مقرباً من الخليفة المتوكل.
كتاب العشر مقالات في العين
وأمراض الجفون والقرنية والعدسة، وأساليب الوقاية.. لم يكن الكتاب تجميعاً لملاحظات متفرقة، بل وضح بنية العين بشكل هرمي، وأجزاءها الدقيقة إلى العدسة، التي وصفها بالشفافة البيضاء.
وهيكل علمي متقدم، ولم يقدم بناءً يعتمد على التراث اليوناني، خاصة جالينوس (طبيب وُلد في بيرغامون التركية) الذي شرح العين بأنها شبيهة بالعدسة المسطحة، لكن حُنين الذي ترجم علم جالينوس إلى العربية، تجاوزه فيما بعد بالتنظيم والتصنيف والتجربة، بأن شرح العين أنها بلورية وفي مركز العين..
وأن خلف العين مرتبط بالدماغ، إلى أن وصل المشيمية وشرحها ثم عن النظام المسؤول عن حماية العين، من المستوى الخارجي إلى أن يصلها الضوء…
ولهذا عُدّ من أقدم وأدق الكتب المتخصصة في طب العيون في تاريخ الطب العالمي، فاختياره العين لم يكن تفصيلاً عابراً، فهي أولاً عضو المعرفة الأول، وبوابة الإنسان إلى العالم.
من بغداد إلى أوروبا
ظل الكتاب مرجعاً أساسياً في تدريس طب العيون في الغرب حتى القرن السابع عشر، واستند إليه أطباء أوروبيون كبار في تصنيف الأمراض العينية، ووصف
معلموه وتلامذته
فكان أبرزهم ابنه: إسحاق بن حنين، الذي واصل مشروع الترجمة والتأليف الطبي، وكذلك حبيش الأعسم، ابن أخته، وأحد كبار مترجمي الطب في الدولة العباسية.
وكذلك مجموعة من أطباء بيت الحكمة، وهو كان مسؤولاً عنها بعد أن عينه الخليفة المأمون عليها، كما أسس لما يمكن تسميته بالمدرسة الطبية البغدادية..
وبهؤلاء لم ينته أثر حنين بموته، بل تحوّل إلى تقليد علمي ممتد. بعد أكثر من ألف عام، لا يُذكر حنين بن إسحاق العبادي (808 – 873م) لأنه طبيب ماهر فحسب، ولا لأنه مترجم عبقري فقط، بل لأنه أعطى للعلم وجهاً أخلاقياً، وللمعرفة لغة عربية دقيقة.
وللعين مكانتها بوصفها أول طريق إلى الفهم، في زمن تختلط فيه المعرفة بالضجيج، والمهارة بالمصلحة، يعيد إلينا طبيب الحيرة درساً بسيطاً وعميقاً، حين قال: «إن أعظم الاكتشافات تبدأ، حين ننظر جيداً».
المصادر: