آداب وفنون

من هوس البروتين إلى “فايبر ماكسينغ”.. كيف أصبحت الألياف أحدث صناعة غذائية تستهدف جيل زد؟

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي

لسنوات طويلة، ارتبطت الألياف الغذائية بصورة نمطية مرتبطة بكبار السن وحبوب الإفطار التقليدية ومشاكل الهضم، لكنها اليوم تعيش واحدة من أكبر عمليات إعادة التسويق في تاريخ الصناعات الغذائية، فبعد سنوات هيمنة البروتين على رفوف المتاجر وخوارزميات وسائل التواصل، بدأت الألياف تتحول إلى الاتجاه الغذائي الجديد الذي يستهدف جيل زد تحديداً.

التحقيق الذي نشرته صحيفة “سياتل تايمز” أشار إلى أن الألياف انتقلت من عنصر غذائي يوصف بأنه ممل أو مرتبط بالشيخوخة، إلى رمز جديد للصحة والطاقة والعناية بالميكروبيوم، مدفوعاً بوسائل التواصل الاجتماعي وثقافة العافية الحديثة.

“فايبر ماكسينغ”.. ترند جديد بمليارات المشاهدات

على “تيكتوك”، ظهر اتجاه جديد يُعرف باسم (Fibermaxxing) أو “تعظيم الألياف”، حيث ينشر المستخدمون وجبات مليئة ببذور الشيا والبقوليات والشوفان والخضروات، مع التركيز على الوصول إلى 40 أو حتى 50 غراماً من الألياف يومياً.

وبحسب تقارير رقمية، تجاوز وسم #fibermaxxing ملياري مشاهدة على “تيكتوك” خلال الأشهر الأخيرة، في تحول يعكس كيف أصبحت الألياف جزءاً من ثقافة الهوية الصحية لدى جيل زد.

ولم تعد الألياف تُسوّق فقط لتحسين الهضم، بل باتت مرتبطة بالطاقة، والشبع، وصحة البشرة، وتنظيم الهرمونات، وحتى تحسين المزاج والتركيز، وهي اللغة التي تستهدف مباشرة الجيل الأصغر سناً.

من البروتين إلى الألياف.. لماذا تغيّر السوق؟

لسنوات، كانت كلمة “بروتين” هي الأداة التسويقية الأقوى في قطاع الأغذية، لكن مع تشبع السوق بمنتجات البروتين، بدأت الشركات تبحث عن البطل الغذائي التالي، لتجد ضالتها في الألياف.

تقارير غذائية حديثة وصفت الألياف بأنها البروتين الجديد، خاصة مع تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء والميكروبيوم بعد الجائحة وانتشار أدوية إنقاص الوزن.

كما أن المستهلكين أصبحوا أكثر وعياً بأن معظم الناس لا يحصلون على الكميات الموصى بها من الألياف.

وتشير بيانات أميركية إلى أن نحو 95% من الأميركيين لا يستهلكون الكمية اليومية الموصى بها، وهو ما حول نقص الألياف إلى فرصة تسويقية ضخمة.

 

سوق عالمي يتجاوز 10 مليارات دولار

اقتصادياً، لم تعد الألياف مجرد مكون غذائي، بل أصبحت صناعة كاملة. وتشير تقديرات إلى أن سوق الألياف والبريبايوتك العالمي سيتجاوز 10 إلى 13 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مع معدلات نمو سنوية تتراوح بين 9% و11%.

كما تشير تقارير السوق إلى أن شركات الأغذية تضخ استثمارات ضخمة في تطوير منتجات تحتوي على ألياف مضافة، من المشروبات الغازية الصحية إلى ألواح الطاقة والخبز والبسكويت وحتى الحلويات.

الشركات الكبرى تدخل السباق

مثلما حدث مع البروتين، بدأت الشركات الكبرى بإعادة تصميم منتجاتها حول الألياف.

علامات غذائية عالمية أطلقت مشروبات غنية بالبريبايوتك، وحبوب إفطار مدعمة بالألياف، وحتى مشروبات غازية تسوق نفسها على أنها صديقة للأمعاء.

 

وتشير تقارير (Innova Market Insights) إلى أن المنتجات التي تحمل ادعاءات مرتبطة بالألياف والبريبايوتك أصبحت من أسرع الفئات نمواً في قطاع الأغذية الوظيفية.

كما بدأت المطاعم والمقاهي تستخدم لغة جديدة في التسويق، تركز على “صحة الميكروبيوم” والتغذية الوظيفية، وهي مفاهيم أصبحت أكثر جاذبية لجيل زد مقارنة بخطاب الحميات التقليدية.

لماذا يهتم جيل زد بالأمعاء؟

التحول ليس غذائياً فقط، بل ثقافي أيضاً، فجيل زد أكثر انفتاحاً على الحديث عن الصحة الهضمية والطاقة والهرمونات والصحة النفسية، مقارنة بالأجيال السابقة.

كما لعبت الدراسات التي تربط صحة الأمعاء بالصحة العقلية والمناعة دوراً في تعزيز هذا الاهتمام، خاصة بعد ارتفاع معدلات القلق والإجهاد بين الشباب.

إضافة إلى ذلك، ارتبطت الألياف بخطاب العناية الذاتية المنتشر على وسائل التواصل، حيث يتم تقديم الوجبات الغنية بالألياف كجزء من نمط حياة متوازن وجميل بصرياً.

الألياف تدخل عالم الرفاهية

اللافت أن الألياف لم تعد مرتبطة فقط بالأطعمة الصحية التقليدية، بل دخلت عالم الرفاهية الغذائية أيضاً. فاليوم يمكن العثور على مشروبات بريبايوتك فاخرة، وشوكولاتة غنية بالألياف، وآيس كريم صديق للميكروبيوم.

حتى المنتجات القديمة مثل البرقوق المجفف والحبوب الكاملة والبقوليات أعيد تقديمها بلغة حديثة تناسب جيل “تيكتوك”.

وفي بريطانيا، ارتفعت مبيعات بعض المنتجات الغنية بالألياف مثل البرقوق والحبوب الكاملة بأكثر من 50% خلال الأشهر الأخيرة بسبب موجة (fibremaxxing).

 

هل هي صحوة صحية أم موضة جديدة؟

رغم الحماس الكبير، يحذر خبراء من أن بعض الشركات بدأت تستخدم الألياف بنفس الطريقة التي استخدمت بها البروتين سابقاً: كأداة تسويق أكثر من كونها قيمة غذائية حقيقية.

فبعض المنتجات تحتوي على كميات صغيرة من الألياف المضافة، لكنها تُسوّق باعتبارها ثورة صحية، ما يخلق ما يسميه خبراء التغذية الهالة الصحية، ومع ذلك، يرى مختصون أن التركيز على الألياف، حتى لو بدأ كترند، يبقى أكثر إيجابية من كثير من الحميات القاسية السابقة.

من عنصر غذائي إلى هوية استهلاكية

ما يحدث اليوم يعكس تحول الطعام من حاجة غذائية إلى هوية اجتماعية واقتصادية، فكما أصبح البروتين رمزاً للقوة والانضباط، تتحول الألياف الآن إلى رمز للوعي الصحي والتوازن والاهتمام بالنفس.

وفي عالم تقوده الخوارزميات والترندات السريعة، يبدو أن الألياف التي كانت يوماً مرتبطة بحبوب الإفطار القديمة أصبحت أحدث “نجم” في اقتصاد الغذاء العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى