آداب وفنون

الرواية في حضرموت في تسعين عامًا

للأستاذ الدكتور مسعود عمشوش
وتقديم محمد باسنبل

ليس مِن قبيلِ المبالغةِ أن يُقالَ إنَّ كتابَ الأستاذ الدكتور مسعود سعيد عمشوش الموسومَ بـ(الرواية في حضرموت في تسعين عامًا) يُعَدُّ من اللبناتِ النقديةِ التأسيسيةِ التي تسعى إلى ردِّ الاعتبارِ إلى منطقةٍ ثقافيةٍ ظلَّتْ، ردحًا من الزمن، مغمورةً في تاريخِ السردِ العربيِّ الحديث. فالكتابُ، في جوهره، ليس مجردَ قراءةٍ نقديةٍ لمجموعةٍ من النصوصِ الروائيةِ الحضرمية، بل هو، فيما نذهبُ إليه، مرافعةٌ علميةٌ هادئةُ النبرةِ، رصينةُ الحجة، تُعيدُ رسمَ خريطةِ البدايات الروائية في الجزيرة العربية، وتضعُ حضرموتَ في الموضعِ الذي تستحقُّه من تلك الخريطة.
ولهذا، فإنَّ هذا المقال التقديميَّـ الذي نشرته في صورة موجزة قبل تسع سنوات عند صدور الطبعة الأولى للكتاب سنة 2017، يتغيَّا أمرين متلازمين: أولُهما عرضُ منهجِ المؤلفِ وموضوعاتِ كتابه عرضًا أمينًا، وثانيهما تسليطُ الضوءِ على أبرزِ ما احتفى به المؤلفُ من قضايا، وفي مقدمتها قضيةُ أسبقيةِ الحضارمة في كتابةِ الرواية على مستوى الجزيرة العربية، ووجودُ أسماءٍ روائيةٍ رياديةٍ مهمةٍ كأحمد عبد الله السقاف، وعلي أحمد باكثير، وصالح باعامر، وسواهم.
أولًا: في بنيةِ الكتابِ ومنهجِه
يتألفُ الكتابُ، الواقعُ في نحوِ مئةٍ وخمسٍ وسبعين صفحة، من مقدمةٍ وثمانيةِ فصولٍ تتوزَّعُ على قراءاتٍ نقديةٍ لنصوصٍ روائيةٍ حضرميةٍ تمتدُّ من سنة 1928 حتى مطلعِ الألفيةِ الثالثة، أي على مدى تسعين عامًا كما يُفصِحُ العنوان. وقد تناولَ المؤلفُ في هذه الفصول:
1. رواية «فتاة قاروت» لأحمد عبد الله السقاف (1928)، بوصفها أولَ رواية.
2. رواية «الغناء» المنشورةَ مسلسلةً في مجلة «الإخاء» بتريم (1938–1940).
3. روايات باعامر وسرد البحر ولا سيما «إنه البحر» (2013).
4. رواية «سالمين» لعمار باطويل في تصويرِ المهجرِ السعودي.
5. رواية «هذيان المرافئ» لسالم العبد الحمومي.
6. رواية «صمت الأشرعة» لخالد لحمدي في شعريةِ النثر.
7. رواية «طريق الغيوم» لحسين باصديق في الواقعية الاشتراكية.
8. روايات علي أحمد باكثير التاريخية في النقد العربي.

ويُلاحَظُ أنَّ المنهجَ الذي اعتمدَه المؤلفُ منهجٌ توليفيٌّ مرنٌ، يمزجُ بين القراءةِ التاريخيةِ الأدبيةِ (التي تُؤرِّخُ لنشأةِ الجنسِ الروائيِّ في حضرموت)، والتحليلِ النصيِّ الداخليِّ (الذي يتتبَّعُ تقنياتِ السردِ ووصفِ المكانِ والشخصياتِ واللغة)، والمقاربةِ الاجتماعيةِ الثقافيةِ (التي تربطُ النصَّ بظاهرةِ الهجرةِ الحضرميةِ وأثرِها في الحياةِ والوجدان). وهذا التعدُّدُ المنهجيُّ هو ما يمنحُ الكتابَ قيمتَه، إذ لا يكتفي بالتأريخِ المجرَّد، بل يُسائلُ النصوصَ فنيًّا وجماليًّا.
ثانيًا: قضيةُ الأسبقيةِ الحضرميةِ في كتابةِ الرواية
تُمثِّلُ مسألةُ الريادةِ والأسبقية العمودَ الفقريَّ الذي يحتفي به المؤلفُ، وهي القضيةُ التي تستحقُّ من الباحثِ المعاصرِ وقفةً متأنية. فقد دأبَ كثيرٌ من مؤرخي الأدبِ العربيِّ على إغفالِ الإسهامِ الحضرميِّ المبكِّرِ في فنِّ الرواية، منشغلين بالمراكزِ الثقافيةِ الكبرى في مصرَ والشامِ والعراق، حتى صارَ المتداولُ أنَّ الروايةَ العربيةَ وُلدتْ في تلك المراكزِ وحدَها.
وهنا يأتي إسهامُ المؤلفِ ليُعيدَ النظرَ في هذا التصوُّر، مُبرزًا حقيقةً مهمةً مفادُها:
1. «فتاة قاروت» (1928): أولُ روايةٍ في الجزيرة العربية

يُسلِّطُ المؤلفُ الضوءَ على أنَّ الأديبَ أحمد عبد الله السقاف – (المولودَ بمدينة الشحر سنة 1880، والذي توفي سنة 1960 على ظهر السفينة التي كانت تقله الى حضرموت)- قد نشرَ روايتَيه «فتاة قاروت» سنة 1928، و«الصبر والثبات» سنة 1929. وبهذا التاريخِ المبكِّرِ تتقدَّمُ «فتاة قاروت» على كثيرٍ من النصوصِ التي يُؤرَّخُ بها لبداياتِ الروايةِ في إقليمِ الجزيرةِ العربية، لتُصبحَ **رائدةً في أسبقيتها على مستوى الجزيرة العربية كلِّها.

وما يزيدُ هذه الروايةَ أهميةً أنَّها لم تكُنْ مجردَ تجربةٍ بدائيةٍ خام، بل نصٌّ ذو وعيٍ بقضاياه؛ إذ يُعرِّفُها مؤلِّفُها بأنها «رواية غرامية انتقادية تتضمَّن انتقادَ بعضِ عاداتِ المهاجرين الحضارمة في الأرخبيل الهندي». فهي تجمعُ بين الحبكةِ الغراميةِ والوعيِ الإصلاحيِّ الاجتماعيِّ، وتُعالجُ قضايا الاندماجِ والهويةِ والزواجِ المختلَطِ ومشكلةَ المولَّدين، مما يجعلُها وثيقةً أدبيةً واجتماعيةً في آنٍ معًا.
2. الجذورُ المبكِّرةُ للسردِ الحضرميِّ في المهجر
يُبيِّنُ المؤلفُ أنَّ هذه الأسبقيةَ لم تكُنْ وليدةَ مصادفة، بل ثمرةَ بيئةٍ ثقافيةٍ خصبةٍ نشأتْ في المهاجرِ الحضرمية، ولا سيما في الأرخبيلِ الهندي (إندونيسيا وسنغافورة حاليًّا). فقد أتاحَ احتكاكُ الأدباءِ الحضارمةِ بإرهاصاتِ الحداثةِ العربيةِ القادمةِ من مصرَ والشام، عبرَ الصحفِ والمجلاتِ والكتب، أن يتجاوزوا القوالبَ الأدبيةَ التقليديةَ ويُجرِّبوا الأجناسَ الحديثة. ويُذكِّرُنا المؤلفُ في هذا السياقِ بأنَّ علي أحمد باكثير نفسَه — وهو ابنُ أحدِ المهاجرين الحضارمة في جاوة — قد حاولَ الاقترابَ من الجنسِ المسرحيِّ في «همام أو في عاصمة الأحقاف» قبل أن تطأ قدمُه أرضَ الكنانة.
3. سلسلةُ الأسماءِ الرياديةِ المتعاقبة
لا يقفُ المؤلفُ عند السقاف وحدَه، بل يرسمُ سلسلةً متصلةً من الرواد تُثبتُ أنَّ الفعلَ الروائيَّ الحضرميَّ كان ظاهرةً ممتدةً لا حدثًا عابرًا:

– أحمد عبد الله السقاف: رائدُ الروايةِ بـ«فتاة قاروت» (1928).
– رواية «الغناء» المجهولةُ المؤلِّف، المنشورةُ مسلسلةً في مجلة «الإخاء» بتريم (1938)، والتي يُرجِّحُ المؤلفُ — بأدلةٍ من سيرةِ كاتبها وثقافته الإنجليزية — أنها لمؤلِّفٍ حضرميٍّ مثقَّفٍ قرأ «زينب» لهيكل وروايات جورجي زيدان وتأثَّر بها.
– علي أحمد باكثير: الذي مارسَ الكتابةَ الروائيةَ منذ أربعينيات القرن الماضي، وحظيتْ رواياتُه التاريخيةُ باهتمامٍ نقديٍّ عربيٍّ واسع.
– حسين باصديق: بروايته «طريق الغيوم» (1976).
– صالح باعامر: بثلاثيته البحرية «الصمصام» و«المكلا» و«إنه البحر».
– ثم الجيلُ اللاحقُ من أمثال خالد لحمدي وسالم العبد الحمومي وعمار باطويل.
وبهذا التسلسلِ يُثبتُ المؤلفُ أنَّ حضرموتَ لم تُسهِمْ في تأسيسِ الروايةِ العربيةِ فحسب، بل ظلَّتْ رافدًا متجدِّدًا لها عبرَ الأجيال.

ثالثًا: مكانةُ علي أحمد باكثير في معمارِ الكتاب
يُفردُ المؤلفُ الفصلَ الأخيرَ من كتابه دراسةً مستقلةً بعنوان «روايات علي أحمد باكثير التاريخية في النقد العربي»، وهو اختيارٌ ذو دلالة. فباكثير — ابنُ المهاجرين الحضارمة، المولودُ في سُورابايا بجاوة سنة 1910 — يُمثِّلُ في الكتابِ حلقةَ الوصلِ الكبرى بين الأصلِ الحضرميِّ والامتدادِ العربيِّ الواسع. وقد لاحظَ المؤلفُ بذكاءٍ نقديٍّ أنَّ نصوصَ باكثير، خلافًا لكثيرٍ من النصوصِ الروائيةِ الحضرميةِ الأخرى التي ظلَّتْ حبيسةَ محليَّتها، قد حظيتْ باهتمامٍ نقديٍّ عربيٍّ واسعٍ من نقادٍ كبارٍ من أمثال عبد العزيز المقالح، وأبي بكر البابكري، وحلمي القاعود، وحسن سرياز، ومحمد جكيب، وعبد الله الخطيب، وطه حسين الحضرمي.
ولعلَّ في إفرادِ باكثير بهذا الحيِّزِ تأكيدًا ضمنيًّا على فكرةِ الأسبقيةِ والامتداد؛ فباكثير الذي يُعَدُّه بعضُ النقادِ — كما ينقلُ المؤلفُ — الرائدَ الفعليَّ للروايةِ التاريخيةِ الإسلاميةِ في الأدبِ العربي، ومجدِّدًا في فنِّ السردِ التاريخيِّ تجاوزَ معاصريه من كتابِ الروايةِ التاريخية، إنما هو في جذوره ثمرةٌ من ثمارِ تلك البيئةِ الحضرميةِ المهاجرةِ التي أنجبتِ السقافَ من قبلُ. وبهذا يُحكِمُ المؤلفُ حلقةَ برهانه: فالحضارمةُ لم يكونوا سبَّاقين في الجزيرة العربية فحسب، بل قدَّموا للأدبِ العربيِّ بأسرِه قامةً روائيةً تأسيسيةً كباكثير.

رابعًا: القيمةُ العلميةُ للكتابِ ومسوِّغاتُ التقديمِ له
تتبدَّى القيمةُ العلميةُ لهذا الكتابِ، فيما نرى، في جملةِ أمورٍ يُحسنُ بالباحثِ أن يُجلِّيَها:
أولُها: أنَّه يسدُّ ثغرةً في المكتبةِ النقديةِ العربية، إذ تندرُ الدراساتُ التي تُؤرِّخُ للروايةِ الحضرميةِ تأريخًا منهجيًّا متصلًا، وتربطُ بين حلقاتها من السقافِ إلى لحمدي.
ثانيها: أنَّه يُعيدُ توزيعَ خريطةِ الريادةِ الروائيةِ في الجزيرةِ العربيةِ على أسسٍ من الوثيقةِ والتاريخِ لا من الانطباعِ والشيوع، فيُنصِفُ حضرموتَ ويُثبتُ أسبقيتَها بـ«فتاة قاروت» (1928).
ثالثها: أنَّه يكشفُ عن الصلةِ العضويةِ بين ظاهرةِ الهجرةِ الحضرميةِ ونشأةِ الوعيِ السرديِّ؛ فالمهجرُ — في الأرخبيلِ الهنديِّ والمهجرِ السعوديِّ وشرقِ أفريقيا وأوربا — كان حاضنةَ التجريبِ الأدبيِّ ومنبعَ موضوعاتِ هذه الروايات: الاغترابُ، والحنينُ، والاندماجُ، ومأساةُ المرأةِ المنتظِرة، ومعضلةُ الهوية.
رابعها: أنَّه لا يكتفي بالتأريخِ بل يُمارسُ نقدًا فنيًّا رفيعًا، يتتبَّعُ شعريةَ النثرِ عند لحمدي، والواقعيةَ السحريةَ عند باعامر، وتيارَ الوعيِ والمنولوج الداخليَّ عند الحمومي، فيُثبتُ أنَّ الروايةَ الحضرميةَ بلغتْ مستوياتٍ فنيةً ناضجةً تستحقُّ الإدراجَ في مقرراتِ أقسامِ اللغةِ العربيةِ بجامعاتِنا، وهو ما يدعو إليه المؤلفُ صراحةً.
خاتمةٌ
يُمكنُنا، في ختامِ هذا المقالِ التقديمي، أن نُجملَ القولَ بأنَّ كتابَ الأستاذ الدكتور مسعود عمشوش «الرواية في حضرموت في تسعين عامًا» عملٌ نقديٌّ تأسيسيٌّ يجمعُ بين أمانةِ المؤرِّخِ وذائقةِ الناقد. وقد نجحَ المؤلفُ في احتفائه بالروائيين الحضارمةِ في أن يُبرزَ، بالدليلِ والوثيقةِ، أسبقيةَ الحضارمةِ في كتابةِ الروايةِ على مستوى الجزيرةِ العربية، وأن يُعيدَ إلى الذاكرةِ النقديةِ أسماءً مهمةً تستحقُّ الإنصاف، وفي طليعتها أحمد عبد الله السقاف مؤلِّفُ «فتاة قاروت» — أولِ روايةٍ في الجزيرة — وعلي أحمد باكثير وصالح باعامر.
غيرَ أنَّ المؤلفَ نفسَه — في تواضعِ العالِمِ الرصين — يعترفُ في خاتمةِ مقدمته بأنَّ كتابَه لم يستوعبْ كلَّ ما أنجزَه الحضارمةُ من نصوصٍ روائية، وأنَّ ثمةَ روائيين وأعمالًا لم يتناولْها، متمنيًا أن يُسعفَه الوقتُ لتداركِ هذا التقصيرِ قريبًا، وأن يُسهِمَ هذا الجهدُ في تحفيزِ الباحثين على المضيِّ في درسِ هذا المتنِ الروائيِّ الثَّرِّ. وهذا الاعترافُ، في تقديرِنا، ليس نقصًا في الكتابِ بل دعوةٌ مفتوحةٌ إلى متابعةِ الطريقِ الذي مهَّدَه، وإقرارٌ بأنَّ البحثَ في الروايةِ الحضرميةِ ما زالَ حقلًا بِكرًا ينتظرُ مزيدًا من الجهدِ والتنقيب.
وعليه، فإنَّنا نوصي بهذا الكتابِ بوصفِه مرجعًا تأسيسيًّا لا غنى عنه لكلِّ باحثٍ في تاريخِ الروايةِ في اليمنِ والجزيرةِ العربية، ولكلِّ من يُعنى بإنصافِ الأطرافِ الثقافيةِ التي ظُلِمتْ في كتابةِ تاريخِ السردِ العربيِّ الحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى