اكتشاف علمي واعد.. ما علاقة الثعابين العملاقة بفقدان الوزن؟

كريترنيوز/ متابعات /رضا أبوالعينين
كشفت دراسة علمية حديثة عن مركّب طبيعي في دماء ثعابين البايثون قد يفتح آفاقا جديدة في علاج السمنة واضطرابات الأيض، عبر آلية تعمل على كبح الشهية دون التسبب بالآثار الجانبية الشائعة المرتبطة بالعلاجات الحالية مثل الغثيان أو فقدان الكتلة العضلية.
وأفاد باحثون من جامعة كولورادو في بولدر، بالتعاون مع علماء من جامعتي ستانفورد وبايلور، بأن المركّب المعروف باسم para-tyramine-O-sulfate (pTOS) يرتفع بشكل كبير في دماء البايثون بعد تناول الطعام، ويبدو أنه يلعب دورا محوريا في تنظيم الشهية وتحفيز الجسم على التعامل مع فترات طويلة من الصيام دون تدهور في الصحة العامة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Metabolism العلمية بتاريخ 19 مارس الماضي، حيث وصف الباحثون الاكتشاف بأنه خطوة أولى نحو تطوير فئة جديدة من العلاجات المستوحاة من الطبيعة.
ثعابين البايثون كنموذج بيولوجي استثنائي
ركزت الدراسة على القدرات الفسيولوجية الفريدة لثعابين البايثون، التي تستطيع تناول وجبات ضخمة تعادل حجم فرائس كبيرة مثل الظباء، ثم البقاء دون طعام لفترات قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات، مع الحفاظ على صحة القلب والعضلات.
وأظهرت القياسات أن هذه الثعابين تمر بتحولات بيولوجية دراماتيكية بعد التغذية مباشرة، إذ يمكن أن يزيد حجم القلب لديها بنحو 25% خلال ساعات قليلة فقط، بينما يرتفع معدل الأيض بما يصل إلى 4000 ضعف من أجل هضم الطعام الضخم ومعالجته.
ويرى العلماء أن فهم هذه التغيرات الاستثنائية قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات بشرية تستفيد من الآليات الطبيعية لتنظيم الطاقة والشهية.
اكتشاف المركّب وتأثيره على الدماغ
خلال الدراسة، قام الباحثون بتحليل عينات دم من أنواع مختلفة من ثعابين البايثون، بما في ذلك بايثون الكرة والبايثون البورمي، بعد إطعامها بفترات منتظمة، وتم تحديد أكثر من 200 مركّب أيضي ارتفعت مستوياتها بشكل ملحوظ بعد التغذية، كان أبرزها مركّب pTOS الذي سجل زيادة بلغت نحو 1000 مرة.
وفي تجارب لاحقة على الفئران، أظهر إعطاء جرعات من هذا المركّب تأثيرا مباشرا على منطقة تحت المهاد في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التحكم في الشهية وتنظيم الشعور بالجوع والشبع.
ونتيجة لذلك، انخفض استهلاك الطعام لدى الفئران، ما أدى إلى فقدان وزن ملحوظ دون تسجيل آثار جانبية مثل اضطرابات الجهاز الهضمي أو انخفاض الطاقة أو فقدان الكتلة العضلية.
وأكد الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى إمكانية تطوير علاج فعّال للسمنة يعمل بطريقة مختلفة عن الأدوية الحالية التي تعتمد غالبا على هرمونات تنظيم الشهية.
أصل المركّب وإمكاناته لدى البشر
أوضحت الدراسة أن مركّب pTOS يتم إنتاجه بواسطة بكتيريا موجودة في أمعاء ثعابين البايثون، ولا يوجد بشكل طبيعي لدى الفئران.
أما لدى البشر، فقد تم العثور عليه بكميات ضئيلة جدا في البول، مع ارتفاع طفيف بعد تناول الطعام.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يفسر سبب عدم ملاحظة هذا المركّب في الدراسات التقليدية التي تعتمد على نماذج حيوانية محدودة مثل الفئران والجرذان، ما يعني أن جزءا مهما من علم الأيض ظل غير مكتشف حتى الآن.
نحو جيل جديد من علاجات السمنة
أشارت الباحثة الرئيسية في الدراسة، البروفيسورة ليزلي لينواند، إلى أن النتائج تعتبر مثالا واضحا على أهمية استلهام الحلول العلاجية من الطبيعة، موضحة أن العديد من الأدوية الحديثة، بما في ذلك أدوية إنقاص الوزن الشهيرة، استُلهمت بالفعل من أنظمة بيولوجية في الكائنات الحية.
وتعمل بعض الأدوية الحالية، مثل تلك المعتمدة على هرمون GLP-1، على تقليل الشهية، لكنها قد تسبب آثارا جانبية تدفع نسبة من المرضى إلى التوقف عن استخدامها خلال عام واحد.
وفي هذا السياق، يرى الباحثون أن مركّب pTOS قد يمثل بديلا أو مكملا علاجيا أكثر تحمّلا، نظرا لعدم ظهوره آثارا جانبية واضحة في التجارب الحيوانية الأولية.
تطبيقات مستقبلية وشركة ناشئة
في ضوء هذه النتائج، أعلن الفريق البحثي عن تأسيس شركة ناشئة تحمل اسم Arkana Therapeutics بهدف تحويل هذا الاكتشاف إلى تطبيقات علاجية واقعية، من خلال تطوير نسخ صناعية من المركّب أو مشتقاته لاستخدامها في البشر.
ولا تقتصر الطموحات على علاج السمنة فقط، إذ يدرس الباحثون إمكانية استخدام هذه المركبات في معالجة حالات فقدان العضلات المرتبط بالتقدم في العمر، والمعروف باسم “الساركوبينيا”، وهي حالة شائعة لا يوجد لها علاج فعال حتى الآن.
آفاق بحثية مفتوحة
يشير العلماء إلى أن pTOS ليس سوى واحد من مئات المركّبات التي تم رصدها في دماء البايثون بعد التغذية، حيث أظهرت الدراسة ارتفاعات في مركبات أخرى بنسبة تتراوح بين 500 و800%، ما يفتح المجال أمام أبحاث مستقبلية أوسع لفهم العلاقة بين الأيض والدماغ في الكائنات القادرة على الصيام الطويل.
ويؤكد الفريق البحثي أن المرحلة القادمة ستركز على دراسة آليات عمل هذه المركبات في جسم الإنسان، ومدى إمكانية توظيفها في تطوير علاجات آمنة وفعالة للأمراض الأيضية المزمنة.
واختتم الباحثون دراستهم بالتأكيد على أن فهم “الاستثناءات البيولوجية” في الطبيعة قد يكون المفتاح لتطوير ثورة علاجية جديدة في مجال الطب الحديث.