طب وصحة

حوار الذات..لماذا نبحث عن الهدوء في صوت لا يكاد يُسمع

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي

 

في البداية، قد يبدو الـ”ASMR” ظاهرة غريبة: ملايين الأشخاص يشاهدون مقاطع لأصابع تنقر على زجاج، فرشاة تمر فوق ميكروفون، صفحات تُقلّب ببطء، أو شخص يهمس كما لو أنه يتحدث إليك وحدك. لا حدث كبير، لا موسيقى صاخبة، لا حبكة، ولا مفاجأة. فقط أصوات صغيرة، قريبة، ومتكررة.

 

لكن ربما تكمن أهمية “أي أس أم آر” تحديداً في هذا الغياب. في عالم مصمم لجذب انتباهنا بالصوت الأعلى، والصورة الأسرع، والإشعار الأكثر إلحاحاً، يأتي “أي أس أم آر” كنوع من الإعلام المضاد: محتوى لا يطلب منك أن تنتبه بقوة، بل أن تخفف انتباهك. لا يطاردك، لا يصرخ فيك، ولا يريد إقناعك بشيء. إنه يقترب منك بهدوء.

 

“أي أس أم آر” اختصار لـ “Autonomous Sensory Meridian Response”، وبالعربية نستطيع تعريبه لـ”الاستجابة الحسية الذاتية” ويُقصد به الإحساس بالوخز أو الرجفة اللطيفة التي تبدأ غالباً في فروة الرأس وقد تمتد إلى الرقبة والظهر، مصحوبة بشعور بالاسترخاء والطمأنينة. لا يختبره الجميع بالطريقة نفسها، ولا يزال العلم يحاول فهمه بدقة، لكن دراسات عدة ربطته بانخفاض التوتر وتحسن المزاج والشعور بالراحة. إحدى الدراسات وجدت أن مشاهدة هذه المقاطع يمكن أن ترتبط بتباطؤ معدل ضربات القلب وزيادة الشعور بالهدوء لدى من يستجيبون له.

 

اللافت أن أشهر محفزات الاستجابة الحسية الذاتية ليست خارقة. فالهمس، النقر، تمشيط الشعر، فحص طبي تمثيلي، ترتيب أدوات، أو شخص يتحدث بنبرة هادئ تعد أشياء عادية جداً، لكن المنصة الرقمية تكبّرها وتضعها في مركز التجربة. كأن الاستجابة الحسية الذاتية لا تخترع إحساساً جديداً، بل يعيد إلينا انتباهاً قديماً فقدناه: الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التي كانت تمر بلا صوت.

 

ولهذا يمكن فهم “أي أس أم آر” كاستجابة ثقافية للإرهاق العصبي. لم يعد الناس يبحثون عن الترفيه فقط، بل عن تنظيم أجسادهم. الشخص الذي يفتح هذه المقاطع قبل النوم لا يريد “معلومة”، ولا يريد “قصة”، بل يريد انتقالاً: من يقظة مشدودة إلى جسد أكثر هدوءاً. ومن هنا تشبه هذه المقاطع أحياناً طقساً رقمياً للنوم، مثل كوب شاي، أو ضوء خافت، أو روتين عناية مسائي.

 

هناك جانب آخر أكثر حساسية، هذه المقاطع تبيع شعوراً بالرعاية. فكثير منها تُبنى على سيناريوهات شخصية: شخص يفحص عينيك، يرتب شعرك، يختار لك شيئاً، أو يخاطبك بصوت منخفض ومباشر. في الظاهر، هذا تمثيل بسيط، لكن في العمق، هو محاكاة لعلاقة نادرة في الحياة اليومية الحديثة: أن يعطيك شخص انتباهه الكامل من دون استعجال.

 

علمياً، ما زالت الظاهرة في طور الفهم. مراجعات حديثة تربط الفيديوهات بشبكات دماغية لها علاقة بالانتباه، والراحة، والمعالجة الذاتية، مثل شبكة الوضع الافتراضي وغيرها من الشبكات التي تساعد الدماغ على الانتقال بين الانتباه للعالم الخارجي والانتباه للحالة الداخلية. كما أظهرت أبحاث أحدث أن التجربة لا تعتمد على الصوت وحده دائماً، بل قد تتقوى عندما تجتمع الإشارات السمعية والبصرية، أي عندما نرى اليد تتحرك ونسمع أثرها في الوقت نفسه.

 

لا يحب الجميع الاستجابة الحسية الذاتية فبعض الأصوات التي تهدئ شخصاً قد تزعج آخر بشدة. هناك من يشعر بالوخز، ومن يشعر بالنعاس، ومن يشعر بالضيق. وهذا جزء من غرابة الظاهرة: إنها تكشف أن الصوت ليس عاماً كما نتصور. لكل شخص خريطته الحسية الخاصة، وما يبدو حناناً صوتياً عند أحدهم قد يبدو اقتحاماً عند آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى