طب وصحة

ما وراء الكوليسترول الضار.. علماء يكشفون عاملاً خفياً يفسر استمرار خطر النوبات القلبية

كريترنيوز/ متابعات /مرفت عبدالحميد

 

قد لا يكون خفض الكوليسترول الضار إلى المستويات الموصى بها كافياً وحده لإنهاء خطر الإصابة بأمراض القلب لدى بعض الأشخاص، إذ يمكن لجزيئات أخرى تنقل الدهون عبر الدم أن تسهم في استمرار هذا الخطر.

 

وفي محاولة لفهم الأسباب الكامنة وراء ذلك، كشف باحثون سويديون عن أنماط من البروتينات المرتبطة بنوعين من هذه الجزيئات، تشير إلى مسارات بيولوجية مشتركة قد تؤدي دوراً في الالتهاب وتضرر الأوعية الدموية.

 

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في السويد، حيث حللوا نحو 3 آلاف بروتين في عينات دم مأخوذة من قرابة 35 ألف مشارك في قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني، لم تكن لديهم إصابة سابقة بأمراض القلب. ودمج الفريق هذه البيانات مع المعلومات الجينية والسجلات الصحية طويلة الأمد، بهدف فهم الاختلافات بين الجزيئات الدهنية وتأثيراتها المحتملة في تطور أمراض الشرايين.

 

ونُشرت النتائج في 31 أغسطس 2026 في مجلة «European Heart Journal»، وأظهرت أن البروتينات المرتبطة بالبروتينات الدهنية الغنية بالدهون الثلاثية (TRL) والبروتين الدهني «أ» (Lp(a)) تتشارك في أنماط لافتة، ارتبط بعضها بمؤشرات الالتهاب والتغيرات التي قد تصيب جدران الأوعية الدموية.

 

وقد تساعد هذه النتائج مستقبلاً في تحديد أهداف جديدة للوقاية، إلى جانب العلاجات الحالية الخافضة للكوليسترول.

 

عوامل الخطر

يُعد ارتفاع الكوليسترول الضار، المعروف اختصاراً باسم LDL، أحد أبرز عوامل الخطر المرتبطة بتصلب الشرايين التاجية، وهي الشرايين التي تمد عضلة القلب بالدم. فعندما تتراكم الدهون والكوليسترول داخل جدران هذه الشرايين، قد تتكون لويحات تضيق مجرى الدم أو تؤدي إلى انسداده، ما يزيد خطر الإصابة بالنوبات القلبية.

 

ورغم أن خفض مستويات LDL يمثل ركيزة أساسية في الوقاية من أمراض القلب، فإن بعض الأشخاص يظلون معرضين للخطر حتى بعد وصوله إلى المستويات المستهدفة. ويُعرف ذلك بالخطر المتبقي، الذي قد يرتبط بعوامل متعددة، من بينها أنواع أخرى من الجزيئات التي تحمل الدهون في الدم.

 

وتشير الدراسة الجديدة إلى أن فهم هذه الجزيئات يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من كمية الكوليسترول التي تنقلها، ودراسة البروتينات المرتبطة بها والعمليات البيولوجية التي قد تؤثر فيها.

 

3 أنواع

ركز الباحثون على ثلاثة أنواع رئيسية من البروتينات الدهنية التي تحمل الكوليسترول والدهون عبر مجرى الدم وهي : البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL): يُعرف باسم الكوليسترول الضار، ويُعد من أهم العوامل المرتبطة بتراكم الكوليسترول في جدران الشرايين.

 

والبروتينات الدهنية الغنية بالدهون الثلاثية (TRL): تحمل كميات كبيرة من الدهون الثلاثية، ويمكن أن تسهم في تراكم الدهون داخل الشرايين، فضلا عن البروتين الدهني «أ» (Lp(a)): جزيء شبيه بـLDL، يرتبط ارتفاع مستوياته بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، ويتأثر مستواه بدرجة كبيرة بالعوامل الوراثية.

 

تأثيرات بيولوجية

وتستطيع الأنواع الثلاثة الإسهام في ترسب الكوليسترول داخل جدران الشرايين، لكنها لا تبدو متطابقة في تأثيراتها البيولوجية. فقد ارتبطت الأنماط البروتينية الخاصة بـLDL بصورة أوضح بعملية تراكم الكوليسترول في جدران الشرايين، في حين أظهرت البروتينات المرتبطة بـTRL وLp(a) أوجه تشابه في مؤشرات قد تتصل بالالتهاب والتأثير في الأوعية الدموية.

 

وكانت مجموعة البحث نفسها قد أشارت في دراسة سابقة إلى أن عدد الجزيئات الضارة الحاملة للبروتين الشحمي «أبو بي» (ApoB) قد يكون أكثر فاعلية في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض القلب من الاعتماد على قياس الكوليسترول وحده، كما وجدت أن جزيئات TRL وLp(a) قد ترتبطان بخطر أكبر لكل جزيء مقارنة بـLDL.

 

وتأتي النتائج الجديدة لتضيف إلى هذا المسار البحثي فهماً أعمق للاختلافات المحتملة بين هذه الجزيئات.

 

ظروف مختلفة

اعتمد الفريق على علم البروتيوميات، وهو المجال الذي يدرس مجموعات البروتينات الموجودة في الخلايا والأنسجة وسوائل الجسم، وكيف تتغير مستوياتها ووظائفها في الظروف المختلفة.

 

وتؤدي البروتينات أدواراً أساسية في تنظيم عمليات الجسم، وقد تتأثر مستوياتها بعوامل مثل التغذية والتقدم في العمر والإجهاد والأمراض.

 

ومن خلال قياس آلاف البروتينات ومقارنتها بالبيانات الجينية والسجلات الصحية، تمكن الباحثون من رصد أنماط ارتبطت بأنواع الجزيئات الدهنية الثلاثة وباحتمالات الإصابة بأمراض القلب لاحقاً.

 

وكان من أبرز النتائج وجود تداخل في الأنماط البروتينية المرتبطة بـTRL وLp(a)، إذ تضمنت هذه الأنماط بروتينات يمكن أن تسهم في جذب الخلايا المناعية، وهو ما قد يعزز الالتهاب ويؤثر في بنية جدران الأوعية الدموية.

 

مسارات التهابية

ويرى الباحثون أن هذا التشابه قد يشير إلى وجود بعض المسارات الالتهابية والوعائية المشتركة بين النوعين، رغم اختلافهما في التركيب والخصائص. وقد يساعد تحديد هذه المسارات على تفسير جانب من الخطر القلبي الذي يستمر لدى بعض الأشخاص رغم خفض الكوليسترول الضار.

 

وقال ياكوب مورزي، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن التداخل بين الأنماط البروتينية المرتبطة بـTRL وLp(a) يُعد من النتائج اللافتة، لأنه يشير إلى احتمال تأثير الجزيئين في بعض العمليات الالتهابية والوعائية نفسها، ما قد يفتح المجال أمام تطوير أساليب وقائية أكثر استهدافاً في المستقبل.

 

أكد كليمنس فيتنبيشر، الذي قاد الدراسة ويعمل أستاذاً مساعداً للطب الدقيق والتشخيص في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا، أن خفض الكوليسترول الضار يظل ركناً أساسياً في الوقاية من أمراض القلب، مشيراً إلى أن النتائج الجديدة تسلط الضوء على عمليات بيولوجية قد تساعد في تفسير بعض المخاطر التي لا يزيلها خفض LDL وحده.

 

وتتمثل الخطوة المقبلة في التحقق مما إذا كان قياس هذه الأنماط البروتينية أو استهداف العمليات المرتبطة بها يمكن أن يحسن الوقاية من أمراض القلب عند إضافته إلى وسائل العلاج الحالية.

 

ومع ذلك، فإن الدراسة ترصد ارتباطات بين البروتينات والجزيئات الدهنية ومخاطر أمراض القلب، ولا تثبت بمفردها أن هذه البروتينات تسبب المرض مباشرة، أو أن استهدافها سيؤدي حتماً إلى خفض النوبات القلبية. كما أنها لا تقلل من أهمية خفض الكوليسترول الضار، بل تشير إلى ضرورة فهم عوامل أخرى قد تسهم في استمرار الخطر.

 

وتكتسب هذه النتائج أهمية في ظل العبء العالمي لأمراض القلب والأوعية الدموية، التي تحصد، وفق منظمة الصحة العالمية، نحو 17.9 مليون وفاة سنوياً. وقد يسهم التقدم في فهم الاختلافات بين الجزيئات الدهنية في تطوير استراتيجيات أكثر دقة لتقييم المخاطر والوقاية منها، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يظل خطر إصابتهم مرتفعاً رغم تلقي العلاج المناسب.

زر الذهاب إلى الأعلى