إنجاز غير مسبوق.. حوض “أورينتال” القمري بأعين بشرية

كريترنيوز/ متابعات /وائل زكير
في إنجاز يُضاف إلى سجل استكشاف الفضاء، فتحت مهمة أرتميس 2 نافذة غير مسبوقة على أحد أكثر معالم القمر غموضا وضخامة، حيث تمكن الطاقم لأول مرة من مشاهدة حوض “أورينتال” القمري بأعين بشرية مباشرة من الفضاء.
هذا المشهد النادر، الذي ظل لعقود حبيس الصور الآلية والتحليلات العلمية، تحوّل فجأة إلى واقع مرئي أمام رواد الفضاء، ليمنح البشرية لحظة استثنائية تعيد رسم علاقتها بالقمر من جديد. وبين دهشة الاكتشاف وعمق المشهد، بدا وكأن القمر يكشف جزءا خفيا من تاريخه الطويل، في لحظة قد تمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق لتكوينه وتطوره عبر الزمن.
وخلال الرحلة، اقتربت مركبة “أوريون” من القمر في مسار مدروس مكّن الرواد من الحصول على رؤية شاملة لإحدى أضخم الفوهات القمرية وأكثرها غموضًا. ويُعد حوض أورينتال من أبرز التكوينات الجيولوجية على سطح القمر، ويتميز باتساعه الهائل وبنيته الدائرية التي طالما أثارت اهتمام العلماء لعقود طويلة.
وضم طاقم أرتميس 2 كلاً من كريستينا كوتش، ريد وايزمان، فيكتور غلوفر، ورائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، الذين وصفوا المشهد بأنه لحظة استثنائية في تاريخ الاستكشاف البشري. وأكدت كوتش خلال اتصال مباشر أن رؤية هذه الفوهة من هذا المنظور كانت تجربة “غير مسبوقة”، مشيرة إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها الإنسان الحوض القمري كاملًا بهذه الصورة.
ووفقا لتصريحات ناسا، فإن هذه المهمة تمثل نقلة نوعية، إذ سمحت للإنسان لأول مرة بمشاهدة معالم القمر البعيدة بشكل مباشر من المدار، بدلًا من الاعتماد الكامل على الصور الآلية. هذا التطور يعزز من أهمية أرتميس 2 كخطوة تمهيدية لمهام مستقبلية تهدف إلى بناء وجود بشري دائم على سطح القمر.
وخلال اقتراب المركبة من ما يُعرف بـ “نطاق جاذبية القمر”، بدأت تأثيرات الجاذبية القمرية بالهيمنة تدريجيا على حركة المركبة، ما أتاح للطاقم التحليق على مسافات قريبة نسبيًا من سطحه، وصلت إلى نحو 4000 ميل. هذه المرحلة الدقيقة مكّنت الرواد من توثيق تضاريس متنوعة، بما في ذلك تدفقات الحمم القديمة وحفر الاصطدام الضخمة.
كما أظهر الطاقم حماسا كبيرا خلال الرحلة، حيث شاركوا لحظات إنسانية مؤثرة، أبرزها تواصل القائد ريد وايزمان مع عائلته من الفضاء، واصفًا تلك اللحظة بأنها الأهم في حياته. وقد عكست هذه التجارب البعد الإنساني العميق لرحلات الفضاء، حيث يلتقي العلم بالمشاعر في بيئة غير مألوفة.
ومن الناحية التقنية، سمحت المهمة باستخدام أدوات تصوير متقدمة، بما في ذلك كاميرات رقمية وحتى الهواتف الذكية، لتوثيق سطح القمر من زوايا غير مسبوقة. وقد أظهرت الصور تفاصيل دقيقة لمناطق لم تُرصد من قبل إلا عبر الأقمار الصناعية، ما يمثل تطورًا مهمًا في توثيق الاستكشاف الفضائي.
وبذلك، تُعد أرتميس 2 خطوة محورية في طريق العودة البشرية إلى القمر، ليس فقط من أجل الاستكشاف، بل لبناء قاعدة معرفية وعلمية تمهّد لمستقبل وجود بشري دائم خارج الأرض.
حوض “أورينتال” القمري (Orientale Basin) يُعد واحدا من أعظم وأوضح معالم الاصطدام على سطح القمر، ويُصنف كأحد أفضل الأمثلة على الأحواض الصدمية المحفوظة في النظام الشمسي. يقع هذا الحوض في الجانب الغربي من القمر، ويتميز بشكله الدائري المتداخل.
تكوّن حوض أورينتال قبل نحو 3.8 إلى 3.9 مليارات سنة، نتيجة اصطدام هائل بجسم سماوي ضخم مع سطح القمر في المراحل المبكرة من تاريخ النظام الشمسي. وقد أدى هذا الاصطدام إلى إطلاق طاقة هائلة تسببت في تشقق القشرة القمرية وارتدادها، ما شكّل سلسلة من الحلقات الجبلية المتدرجة حول مركز الاصطدام، وهو ما نراه اليوم كأحواض دائرية متداخلة.
من الناحية الجيولوجية، يُعتبر هذا الحوض مهما للغاية لأنه يمثل سجلًا طبيعيًا لفترة القصف النيزكي الشديد التي تعرضت لها الأجرام السماوية في بدايات تكوينها. كما يساعد العلماء على فهم تركيب القشرة القمرية وطبقاتها الداخلية، من خلال دراسة الصخور والمواد التي تم قذفها إلى السطح أثناء الاصطدام.
يتميز حوض أورينتال بأنه من أفضل الأحواض حفظا على سطح القمر، إذ لم تتعرض معظم أجزائه لطمس كبير بسبب تدفقات الحمم البركانية مقارنة بمناطق أخرى. هذا ما جعله مرجعا مهما في دراسة تطور سطح القمر وتاريخه الجيولوجي، إضافة إلى كونه نموذجًا يُقارن به علماء الفلك فوهات مشابهة على كواكب وأقمار أخرى.
وفي سياق استكشاف الفضاء الحديث، مثل برامج أرتميس (Artemis Program)، اكتسب هذا الحوض اهتماما إضافيا، خصوصًا مع تطور قدرات الرصد البشري من المدار القمري. ورغم أنه تم تصويره سابقًا بواسطة بعثات آلية، فإن رؤيته المباشرة من قبل رواد الفضاء تُعد خطوة رمزية تعزز فهم الإنسان لهذا المعلم القمري العملاق.