بعد 2000 عام.. لماذا تزداد متانة الخرسانة الرومانية مع مرور الزمن؟
كريترنيوز/ متابعات /وائل زكير
رغم مرور ما يقرب من ألفي عام على تشييدها، لا تزال العديد من المباني الرومانية القديمة صامدة في وجه الزمن، في وقت تتعرض فيه كثير من المنشآت الحديثة للتشقق والتآكل بعد عقود قليلة من بنائها. واليوم، توصل فريق من الباحثين إلى تفسير جديد قد يفسر هذا اللغز الهندسي الذي حيّر العلماء لسنوات.
وكشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Science Advances أن متانة الخرسانة الرومانية لا تعود فقط إلى طريقة تصنيعها الفريدة، بل أيضا إلى تفاعل بطيء ومستمر مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء، وهو ما يساعدها على أن تصبح أكثر قوة بمرور الزمن، بل ويسهم في إصلاح الشقوق الدقيقة التي تتشكل داخلها بشكل طبيعي.
ولسنوات، اعتقد العلماء أن السر يكمن في استخدام الرومان لمزيج من الرماد البركاني (البوزولان) والجير الحي، إذ ينتج عن هذا الخليط معادن شديدة الصلابة تمنح الخرسانة مقاومة استثنائية. لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه ليست سوى نصف القصة.
وقاد البحث المهندس باولو مونتيرو من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، بالتعاون مع باحثين من جامعة بكين للتكنولوجيا، حيث درس الفريق عينة خرسانية تعود إلى القرن الثاني الميلادي، استُخرجت من مرحاض عام داخل فيلا الإمبراطور هادريان في مدينة تيفولي الإيطالية، وهي من أشهر المواقع الأثرية الرومانية التي لا تزال أجزاء كبيرة منها قائمة حتى اليوم.
وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة عالية الدقة، حلل الباحثون العينة على المستوى النانوي، ليكتشفوا أن ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي تفاعل تدريجيا مع الجير المتبقي داخل الخرسانة، مكوّنًا معدن الكالسيت، وهو المعدن نفسه الذي يوجد في الحجر الجيري.
وأظهرت النتائج أن الكالسيت لم يكن مجرد ناتج طبيعي لشيخوخة الخرسانة، بل لعب دورا فعالاً في زيادة متانتها، إذ تبلور داخل المسام والشقوق الدقيقة، وساهم في سدها تدريجيًا، مما جعل الخرسانة أكثر كثافة ومقاومة للتلف ومنع انتشار التشققات مع مرور الزمن.
ويقول الباحثون إن الدراسات السابقة رصدت وجود الكالسيت في الخرسانة الرومانية، لكنها لم تتمكن من دراسة توزيعه وبنيته ثلاثية الأبعاد كما فعلت الدراسة الحالية، وهو ما كشف لأول مرة دوره الحقيقي في تعزيز عمر هذه المنشآت.
ويُعد البانثيون في العاصمة الإيطالية روما أحد أبرز الأمثلة على هذه المتانة، إذ لا تزال قبته الخرسانية الضخمة، التي بُنيت قبل نحو ألفي عام دون أي تسليح فولاذي، قائمة حتى اليوم، لتبقى أكبر قبة خرسانية غير مسلحة في العالم.
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على فهم الماضي، بل تمتد إلى مستقبل البناء أيضًا. فالعلماء يعملون حاليا على تطوير أنواع جديدة من الخرسانة مستوحاة من الوصفات الرومانية، بهدف إنتاج مواد بناء أكثر متانة وأطول عمرًا، مع تقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بصناعة الأسمنت، التي تُعد من أكبر مصادر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا.
ويؤكد الباحثون أن المباني الحديثة تختلف عن المنشآت الرومانية لاعتمادها على الخرسانة المسلحة بقضبان فولاذية معرضة للتآكل، إلا أن فهم الآليات الطبيعية التي عززت متانة الخرسانة الرومانية قد يساعد المهندسين في تصميم مواد بناء أكثر استدامة وقدرة على مقاومة الزمن.