المكتبة

التَّمَطُّر أو الاستمطار في المعتقدات الشعبية

كتب/علي صالح الخلاقي

التمطُّر، الاستمطار، الاسْتِسْقَاءُ، السُّقيا، أي طلب السقي وجميع هذه المصطلحات الفصيحة متداولة في لهجة يافع. ويُقصد بها طلب المطر. يقال: خرجوا يستمطرون الله. والاستمطار، أو (التَّكُرُّم) كما يسميه البعض، كان يتم حين يطول احتباس المطر ويحل القحط ويفعل الجفاف فعله، فيعز ماء الشرب في الآبار وتجف المزروعات وينعدم الرعي فتنفق الحيوانات، وتزداد المعاناة عند اقتراب موسم الصيف وتأخر هطول الأمطار المرتجاة في هذا الموسم والتي يعني عدم قدومها مضاعفة معاناتهم وحرمانهم من محصول عام زراعي مع ما يترتب على ذلك من شح في الإنفاق وخوف من المجاعة، التي قد تطول لعام آخر أو أعوام، فلا يجد الناس من مفر سوى الاستمطار حيث يتوجهون بنية خالصة بالدعاء إلى الله وتنظيم صلاة الاستسقاء، فيجتمعون في باحة من باحات القرية ثم يتحركون إلى موقع جبلي مرتفع أو إلى أماكن أخرى مشرفة على القرية أو إلى جانب ضريح أحد الأولياء، ومثل هذه الأضرحة تنتشر في كثير من مناطق وقرى يافع، أو في مسجد القرية. ويكون في مقدمة الصفوف الفقيه أو القاضي وهم يرددون الأناشيد والأدعية الدينية على وقع دقات الدف (الطَّار)، ضارعين أكفهم وقلوبهم إلى الله العلي القدير وهم ينشدون :
يالله بدعوة مجابه
والعرش مفتوح بابه
تمطر علينا سحابة
فضل النبي والصحابة
بعد ذلك قد يردد القاضي أو الفقيه قصيدة طويلة فيها دعاء ورجاء وتضرّعٌ إلى الله تعالى لينزل المطر.. ويردد الناس بعد كل بيت يقوله الفقيه:
ألا يا الله بنظره من العين الرحيمه
تداوي كل من به من أمراضاً سقيمه
ثم يتوقفون في المكان المحدد لصلاة الاستسقاء وينحرون غنمة أو بقرة كما جرت العادة ضحية أو فداء، وبعد ذبحها يأخذون قطعاً صغيرة من كل أجزائها(القلب، الكبد، الجنب، الرجل، الكرش..الخ) يسمونها “عشورة” أو “عشير الساهن” ثم يرمون بها في كل الاتجاهات للسَّاهن، وهو روح شريرة من الجن والشياطين حتى لا يحبس عنهم المطر. أما إذا كانت البقرة التي نحروها قد بلغت من الكبر عيتاً فأنهم ينذرون لحمها كاملاً للسَّاهن فتكون من نصيب الطيور الجارحة وغيرها. وبعد نحر الفدية وصلاة الاستسقاء يعودون إلى بيوتهم وهم يرددون أدعية طلب المطر كقولهم:
يالله يا كريم يالله بالمطر والسيل يا الله
ويصادف أحياناً أن ينزل المطر والناس لم يغادروا مكانهم بعد أو فور وصولهم إلى بيوتهم. وأحياناً قد لا تجدي العملية فيكون مما لابد منه من استمرار معاناة القحط والجفاف، التي قد تتضاعف بكوارث أخرى تأتي في وقت واحد، كما حدث مطلع القرن العشرين، وهو ما صوره لنا الشاعر أحمد بن علي حيدر البكري (أبو ناصر) في قصيدة أرسلها إلى السلطان بن هرهرة يتحدث فيها عن السنين العجاف، ويعدد السبع الشداد من الكوارث، التي يجمعها حرف الجيم، وهي: الجام أي الجفاف، الجوع، مرض الجدري (الخامج)، مرض الجَرَبْ، ثم الحَرَاجَهْ وهي نفوق الماشية بسبب الجفاف، ثم آفة الجراد التي التهمت ما بقي من الأخضر واليابس، ثم فقدانه ل(جوهرة)فؤاده، أي شريكة حياته التي جمعها (حرف الجيم) بالكوارث المذكورة،يقول فيها( ):
مرَّت سنين اعْجَاف منكورات هن سبعاً شداد
فيهن حُرُوف الجيم كلاً جاهد الدنيا جهاد

بالجام ثم الجوع والخامج تسلَّط عالعباد
ثم الجَرَبْ ثم الحَرَاجَهْ قيَّدَهْ لُمَّه قياد

حتى الغنم ما كانه ابتخرج من أبواب الأصاد
واليوم في لسواق من خمسه بُقش بيضا جِدَاد

هذا ولم نشعر في أربع باقية تالي جماد
عن تسعة عشر والثلاث الميه من قبل المداد

جتنا مدابي مدَّها الله مثلما مد البجاد
وهي مُظلِّه من طرف بيحان لا أطراف النجاد

واليوم أبو ناصر صَدَاد النوم من عيني صَداد

وكيف يهنأ نوم عيني والعرب جمله رقاد

ما يرقد إلاَّ مَنْ سِلِمْ زرعه على أخْشَام الجراد
وغاليه كانه معيَّا جوهره وسط الفؤاد

عسى يوفق بيننا يوم التلاقي والتناد
واتخبَّرك من هرج يافع ذي تنوّوا عالشداد

وفي الحالات التي لا يسقط فيها المطر بعد مراسيم الاستمطار، كأن الناس يذهبون مذاهب شتى في تعليل أسباب انحباس المطر، كأن يكون أحد السادة لم يحصل على حقه المستحق من وجهة نظرهم، من النذور والعشير والزكاة ونحو ذلك، فأصابتهم دعواته عليهم، أو أن يكون شخص حاسد قد حجز أو منع عنهم المطر. ويمكن أن يُتَّهَم الإنسانُ بالسِّحر بكل بساطة، إما بدافع الحنق أو الانتقام والثأر أو الكراهية والبغض، وقد تنتابهم الشكوك في أناس معروفين من بينهم ويتهمونهم بأنهم هم السبب في عدم سقوط المطر، بل وقد يذهبون إلى تهديدهم بالقتل اذا لم يهطل المطر في فترة يحددونها لهم بأيام فقط، وقد حدث، كما يروي بعض المعمرين، في أكثر من مرة وفي أكثر من مكان أن هُدمت بيوت البعض فوق رؤوس ساكنيها، فقتل بعضهم وهرب من نجي منهم بجلودهم تاركين ديارهم وممتلكاتهم ضحية مثل هذه الاعتقادات الخاطئة، وشجع شيوع مثل هذه الاعتقادات أن يصادف أحياناً هطول أمطار غزيرة خلال الفترة المحددة فيعتقدون أنهم بذلك قد(فكَّوا التَّحْجِيْر) أي منع المطر، بسبب تهديدهم المتهم بالموت وانهم إذا لم يفعلوا ذلك فأن الجفاف سيستمر. ويروي الحاج صالح علي أحمد الحاتمي الكلدي قصة حقيقية كان هو أحد المشاركين فيها في خمسينات القرن العشرين المنصرم، أدونها هنا كما وردت بلهجته يقول:” حصلت الحادثة ونحن ضمن الموجودين في الخمسينيات من القرن الماضي عندما هَدَّوا (أي ثاروا)على شخص يُدعى محسن علي شيخ اتهمناه بانه زاقر(حابس) للمطر بسبب انهم قتلوا ولده الوحيد ولم يعطوه لا دية ولا قتلوا القاتل، فيما بعد اعطوه ديه وبدلا من الوقوف الى جانبه حلقنا عليه ذات يوم اكثر من مئة نفر مع السلاح نريد قتله وتدخلوا العقال وأعطيناه مهلة يومين فقط اذا لم تهطل الامطار خلالها قتلناه. وكان يدعي “يا رب انصفني” وبالصدفة هطلت الأمطار على المنطقة بنفس اليوم وقالوا: شوفوا الزَّرور(أي الضغط عليه) ما هو راح يخرج الشأفه (حرز أو تعويذة). ومحسن علي المذكور هو باقي عائلة دمرتهم القبائل قتل وهروب بتهمة رد المطر وأمور أخرى لا تدخل بالعقل”.
ليس مصادفة أن ارتبطت مختلف صنوف الممارسات السحرية بالمطر، الذي ارتبطت به حياة اليافعيين، فالجفاف كان يهددهم بالفناء. ولا شك أن الجهل السائد حينها كان هو السبب الرئيسي في شيوع مثل هذه الخرافات التي ذهب ضحيتها كثيرون، وكان هناك من يساعد على انتشارها من المشعوذين الذين يستغلون جهل العامة أسوأ استغلال، وللأسف أن مثل هذه الاعتقادات في أمور أخرى غير حبس المطر ما تزال شائعة وتلقى لها قبولاً خاصة في الأرياف النائية وبين عامة الناس غير المتعلمين.

من كتابي الصادر مؤخراً(المعتقدات الشعبية في بلاد يافع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى