المكتبة

أرحب ورباط “آل باعباد”..تاريخ مجيد طواه الإهمال والنسيان

 

كتب: علي صالح الخلاقي

كان الشوق يسبقنا في زيارتنا إلى الضالع للتعرف معلم تاريخي، رغم إننا نجهل كنهه ولا نعر ف موقعه أو نسمع به من قبل، وهذا ما زاد من تَباريح الشَّوق للوصول إلى وجهتنا المرجوة.

تحرك موكبنا من عدن مع انبلاج خيوط الفجر الأولى ليوم السبت، الموافق 21أغسطس2021م، وضم كوكبة من المهتمين والمتخصصين بالتاريخ من مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر يضم كل من: الأستاذ محمد سالم بن علي جابر ، د.محمود السالمي ، أ.د. طه حسين ، د. نادر سعد العمري، والتحق بنا من كلية التربية صبر د.عبدالفتاح قاسم الشعيبي الذي رتَّب لزيارتنا، واصطحب بمعيته د. عبدالمجيب حسين مثنى. وفور وصولنا الضالع عرجنا إلى كلية التربية هناك لنصطحب الأستاذ محمود أحمد الجثام، ابن المنطقة التي سنتجه إليها، وما أن صعدنا جزءاً من نقيل الشعيب في طريق معبد، تتخلله بعض التشوهات بفعل مرور القواطر والمركبات الكبيرة ، حتى أشار دليلنا الجثام بأن نخرج عن خط الاسفلت لنتجه يميناً ، في طريق ترابي غير معبد تبدو وعورته من الوهلة الأولى.. تحركنا قليلاً وإذا بنا نطل على وادٍ سحيق، بدت لنا من الأعلى على ضفته الجنوبية قرية (أرحب) بحصونها القديمة ومسجدها القديم وما يحيط به من منشآت قديمة، وعرفنا أن وجهتنا ستكون إليها هبوطاً في طريق جبلي صعب، تتخلله الصخور والحجارة وتخلو من التراب في كثير من تعرجاته، بفعل السيول والأمطار التي تجرف الأتربة خاصة في مواسم هطول الأمطار ، كما هو الحال في هذا الموسم، ومع ذلك فقد رصف الأهالي بمبادراتهم بعض المنحنيات الأكثر صعوبة، مما خفف كثيراً على السيارة وعلى الركاب.

لا أخفيكم سراً أنني حينما وقفنا في أعلى الجبل نلتقط الصور التذكارية قد استغربت من صغر حجم المسجد الذي يتبين لنا بلونه الأبيض، وظننت أنه هو المعلم التاريخي المقصود من هذه الزيارة، لأن ما حوله لا يُرى بوضوح، فقلت لنفسي: أعرف مساجد كثيرة مشابهة له، بل وأكبر حجماً، فهل يستحق عناء الرحلة؟!..
كتمت مشاعري تلك، ومشينا نزولاً في ذلك الطريق المخيف لمن يقود فيه سيارته مثلي لأول مرة، حيث كانت سيارتي (المدللة) كما وصفها رفيق الرحلة، النادر بن حلبوب، تتأرجح ذات اليمين وذات الشمال، فيتأرجح معها رفاق الرحلة وهم متشبثين بمقابضها الداخلية رغم بطء حركتها.

ما أن طوينا الطريق الجبلي بتعرجاته الصعبة وبلغنا أسفل الوادي الخصيب المزدان بالخضرة والجمال، حتى تنفسنا الصعداء، ووقفت بسيارتي جانباً في محيط من الخضرة التي تنعش النفس بروائحها، ثم نزلنا منها وسط استقبال وترحيب حار من أهالي(أرحب) يتقدمهم الشيخ فضل عبدالوهاب باعباد، ولحسن الحظ كان معه الأستاذ فضل محمود ناصر مدير عام الآثار بمحافظة الضالع وعدد من شباب القرية، فصعدنا مباشرة إلى المعلم الديني التاريخي، الذي رأيناه صغيراً حينما صوبنا إليه أنظارنا من أعلى الجبل، فإذا بنا داخل معلم ديني وحضاري عظيم ورائع بدد انطباعنا الأولي وأدهشنا حقاً بعظمة بنائه وبحجمه الكبير مقارنة بتواضع قرية (أرحب) التي تحتضنه، وكل ما في هذا الرباط ينم على عظم مكانته كمركز علمي ديني.

إنه رباط (أرحب)، القرية الأثرية القديمة بمديرية الحصين ، محافظة الضالع، كما تروي بقايا حصونها الحجرية بنقوشها وزخارفها القربة من رباط باعباد، نسبة إلى مؤسسه عمر بن محمد بن عبدالله باعباد، الذي قدم في سنة 726هجرية من (الغرفة) بحضرموت مع عدد من رفاقه في رحلة سفر طويل قطعوا خلالها المسافات مشياً على الأقدام، مروراً بشبوة وأبين ويافع واستقروا في (أرحب) وطاب لهم فيها المقام ورحُبت بهم الدَّارُ.

كان من رفقاء الشيخ عمر ابن باعباد في هجرته ودعوته، كما روى لنا الشاب مصطفى أنور باعباد، كل من: الفقيه علي ابن احمد، والفقيه محمد ابن احمد الحضرمي عمر ابن القاسم، والأديب إبراهيم ابن يوسف، واحمد ابن ابو بكر بن كثير، وعبدالله ابن علي، وعلي ابن الزبيدي، وعلي ابن الفقيه المُكنًّى “الرفيق”، ومحمد ابن التميمي، والسخاء ابن عمر، ومحمد ابن حاتم الرسمي، وعبدالله ابن عمر، وإسماعيل ابن عبدالرحمن، ومحمد ابن علي، وعبدالله ابن محمد، وعبدالله ابن محمد القصاصي. ومحمد ابن سعيد، وآخرين.

يبدو لي أن هجرة آل باعباد ورفاقهم إلى (أرحب) في القرن الثامن الهجري قد كانت عن سابق دراية ومعرفة بأهميتها وموقعها، وربما بتنسيق مسبق مع أهاليها، فهي تقع في ملتقى طرق التجارة التي كانت تربط بين مناطق يافع والضالع مروراً إلى مناطق النادرة وجبلة في إب، فضلاً عن موقعها الهام في ضفاف وادٍ خصيب يشتهر بزراعة الحبوب بأنواعها، قبل أن تغزوه لاحقاً شجرة القات اللعينة التي تحتل وتتسيّد الآن قائمة المزروعات، وزاد من أهميتها التجارية والزراعية والعلمية وجود هذا الرباط العلمي الذي شرع آل باعباد في تأسيسه فور وصولهم وضم مسجداً ومدرسة ، ربما كانت البدايه متواضعة، لكنها آتت أُكُلَهَا سريعاً في تدريس وتعليم القرآن الكريم والفقه والعلوم الإسلامية، فشاع صية المدرسة في محيطها القريب والبعيد وأرسل الناس أولادهم إليها طلباً للعلم ، فلجأ القائمون على الرباط إلى بناء المدرسة بحجمها الكبير ، بمقياس ذلك الزمن، وهو الشكل القائم الذي بقي يقاوم تقلبات الدهر حتى اليوم، وحسب روايات الأهالي تم الانتهاء من البناء سنة 775هجرية، وضمت المدرسة ست غرف أو قاعات دراسية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من طلاب العلم الوافدين من خارج (أرحب). وتدفقت عليها عائدات الوقف التي خُصصت لها من مناطق مختلفة، من الشعيب وخلَّة والأزارق وبلاد بني مسلم وحالمين وجبن ومريس وشكع وجبل حرير، وظلت إيرادات تلك الأوقاف تمد المدرسة بكل محتاجاتها، ومنها يتم الانفاق على الدارسين الوافدين من مختلف المناطق، الذين يحصلون على السكن والغذاء مجاناً.

كان للشيخ عمر ابن باعباد سبعة من الأولاد نشرهم في شتى المناطق لنشر الدعوة الاسلاميه وكلهم فقهاء، نذكر منهم: الشيخ موسى ابن عمر باعباد، وبقي في أرحب ولم يغادرها-ومن ذريته الشاب الخلوق مصطفى أنور الذي أمدنا بهذه المعلومات- والشيخ شمس الدين علي ابن عمر باعباد، وقد انتقل إلى خوبر وأسس فيها مسجداً ورباطاً للعلم، والشيخ والأديب أحمد ابن عمر باعباد، انتقل إلى منطقه يقال لها شوكان وأسس فيها رباط علم وحوطة تجمع المسجد والمدرسة والسكن لكل الوافدين وكان تجمع الدارسين من كل من الإزارق وماوية والمسيمير.

ومنذ تأسيسها تخرج منها مشايخ علم ودين أسهموا في إنشاء مدارس دينية لتعليم القرآن وختمه في العديد من قرى الضالع في خوبر ولكمة صلاح وشكع وفي حالمين وحرير، وكان أفضل خريجي تلك المدارس يُرسلون لمواصلة دراستهم في رباط “أرحب” للتعمق في الفقه وعلوم الدين وغيرها، ورغم عشرات الدارسين الذين يستقبلهم الرباط سنوياً فأن من يتخرج منهم لا يتعدى الأربعة أو الخمسة فقط ممن يحصلون على إجازة شيخ علم ودين، وهذا يعني أن نظام التدريس كان قوياً ومتشدداً في التعامل مع الدارسين.

ومن بين من اشتهر من الخريجين، كما روى لنا الشيخ عبدالوهاب باعباد: الحاج سعيد الحضرمي، والحاج بوبك، والشيخ محمد عبدالله باعباد، والشيخ ناصر الحوباني، والشيخ أسعد حاجب باعباد، والشيخ محمد بن بن محمد باعباد، وبعض هؤلاء بقيوا يدرسون في رباط أرحب في فترات متفاوتة، وآخرين أسسوا مدارس لتعليم القرآن في بعض المناطق مثل الشيخ محمد عبدالله الدرويش في حرير، وقويدر العبادي في حالمين.

وظل الرباط منارة علمية ودينية، يؤمه طلاب العلم من مختلف مناطق الضالع والشعييب ومريس وجُبن وحرير وحالمين وغيرها حتى تم اغلاقه من قبل الاستعمار البريطاني بعد سيطرته على الضالع، ربما لخشيته من تبعات مخرجات الرباط الدينية التي تتعارض مع سياسة الاستعمار، ثم تحولت بعد ذلك إلى مجرد كُتّاب (معلامة) واقتصر دورها على تعليم القرآن لأبناء أرحب ومحيطها القريب، وظلت كذلك حتى دخول التعليم الحديث بعد الاستقلال، ففقدت المدرسة أهميتها ومكانتها العلمية، بل وتعرضت للإهمال والنسيان، وهو ما يتجلى بوضعيتها الحالية التي لا تسر الخاطر.

ورغم ما لحق بهذا المعلم التاريخي من تشوهات وأضرار جسيمة، تتمثل في تهدم أجزاء من سقوفه بفعل الإهمال لعقود خلت، إلا أنه ما زال قائماً بأعمدته وعقوده الحجرية يقاوم الزمن. ويبدو أن بعض سقوفه قد تم إعادة بنائها بصفائح الألواح الخشبية السميكة التي كانت تستخدم للكتابة من قبل الدارسين فيه، وهذا ما تشير إليه الكتابات التي بقيت وكأن الدارسون تركوها بالأمس القريب. كما أن المسجد قد شهد توسعة حديثة تتبين في الجزء الأمامي منه، الذي يتميز الجزء القديم منه بأعمدته الخشبية ذات الزخارف الجميلة والكتابات التي توزعت على أخشاب السقف، وكذلك بوجود ضريح خشبي مزخرف بأشكال منحوتة ، وكُتب عليه (برسم سيدي شجاع الدين عمر ابن باعباد).

ويحكي هذا المعلم الديني، بمسجده ومدرسته وبكل قطعة حجر من جدرانه وعقوده وأروقته خفايا وأسرار طواها النيسان، لم يتبق منها سوى ما يتردد في ذاكرة الناس هنا من روايات متناقلة عن تاريخ ضائع لافتقاره للتدوين والتوثيق.
كما زار الوفد قبة الولي موسى ابن عبدالواحد التي تقع على أكمة جبلية غير بعيد عن قرية أرحب، وبدت في وضع أفضل من الرباط العلمي، حيث تم تسوير حوض الماء ومحيط القبة بأسلاك شائكة.

وفي ختام الزيارة استضاف الأهالي الوفد الزائر على مأدبة غداء في منزل الشيخ فضل عبدالوهاب باعباد، وتم التأكيد على أهمية الالتفات لهذا المعلم الديني والحضاري الفريد، سواء من قبل الجهات الرسمية أو الشعبية للإسراع في ترميم ما تهدم من سقوفه وإعادة ترميم أجزاءه من الداخل، والحفاظ على مظهره التاريخي.

وبقي أن نشكر الأهالي على حسن استقبالهم وكرم ضيافتهم ، وقد غادر الوفد وهو يحمل انطباعات رائعة عن منطقة جميلة بطبيعتها وبطيبة أهلها وبما تحتضنه من معالم تاريخية نالها الإهمال، ونأمل أن نكون قد لفتنا انتباه الجهات الرسمية لهذا المعلم الديني التاريخي الفريد لصيانته والحفاظ عليه ليظل شاهداً حضارياً يروي للأجيال حكاية تاريخ مجيد ، يحتاج للتجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى