عربية

هل الحرب بين مصر وإسرائيل حتمية؟

كريترنيوز /متابعات /أمجد عرار

الأروقة السياسية والعسكرية في إسرائيل، بدأت في الآونة الأخيرة تتحدث عن مصر بلغة متوجّسة، وكأنها تطرح تساؤلاً جوهرياً: هل المواجهة العسكرية بين الطرفين باتت حتمية، أم أنها مجرد فزاعة تستدعيها الحسابات الإسرائيلية الداخلية؟، سيما وأن مصر كانت طرفاً أساسياً في ثلاثة حروب، 1956 و1967، و1973، وانتهت هذه الحروب بـ«سلام بارد».

لم يعد الحديث عن «الجبهة الجنوبية» في إسرائيل مجرد كلام افتراضي، أو على سبيل خطط الطوارئ المعتادة، بقدر ما تحوّل إلى نقاش علني تتصدره تحذيرات استخباراتية وإعلامية تشعل جرس الإنذار على نحو متكرر من اختلال موازين القوى. وفي هذا السياق يمكن فهم المناورات العسكرية المفاجئة في ميناء إيلات، والقلق في دهاليز الفكر الأمني الإسرائيلي من صفقات التسليح المصرية.

الحرب المؤجلة

وبدا لافتاً التصريح الأخير لمدير مركز هيروت الإسرائيلي أمياد كوهين، الذي توقع فيه اندلاع حرب مع مصر خلال الـ 15 سنة المقبلة، فهو ليس مجرد استشراف مستقبلي روتيني، إنما يعكس تحولاً في تفكير النخبة الإسرائيلية تجاه «اتفاقية كامب ديفيد»، رغم صمودها منذ نحو نصف قرن.

هذه المخاوف لا تنطلق بالضرورة من رصد رغبة مصرية آنية في التصعيد، بل من التغيرات الجيوسياسية الإقليمية، وعلى رأسها التقارب المتسارع بين القاهرة وأنقرة. هذا المحور المتشكل يمثل، من وجهة النظر الإسرائيلية، إعادة ترتيب لموازين القوى في الشرق الأوسط قد تفضي على المدى البعيد إلى محاصرة نفوذ إسرائيل، ما يدفع يجبر العقل العسكري الإسرائيلي نحو الاستعداد لـ«سيناريوهات بعيدة المدى» لم تكن مطروحة في العقود الماضية.

عقدة أكتوبر

الترجمة العملية لهذه المخاوف تتجلى ميدانياً في التحذيرات غير المسبوقة التي أطلقها رئيس جهاز «الشاباك» الإسرائيلي ديفيد زيني، من احتمالية تعرض مدينة إيلات لهجوم بري وبحري منسق ومباغت يشبه هجوم 7 أكتوبر 2023، تنفذه جماعات مسلّحة عبر الحدود المصرية، وربما الأردنية.

ورغم أن أوساطاً داخل جهاز الشاباك وخارجه قللت من جدية هذه التحذيرات، واصفة إياها بـ«الهوس» المرتبط بشخصية زيني الأيديولوجية المنتمية لتيار الصهيونية الدينية، إلا أن مسارعة الجيش الإسرائيلي أمس لتنفيذ مناورة عسكرية واسعة في إيلات لمحاكاة سيناريوهات تسلل مسلّحين يثبت أن «عقدة 7 أكتوبر» باتت المحرك الأساسي لصناع القرار في إسرائيل.

إن وصف زيني لإيلات بأنها «مدينة مستباحة» وتحذيره من تحولها إلى «مدينة مختلطة» ديمغرافياً، يكشف عن توجس إسرائيلي عميق؛ حيث تُقرأ الحدود مع مصر والأردن باعتبارها حدوداً يمكن أن تشتعل تحت وطأة أي تطور إقليمي غير محسوب.

ويبرز ملف التسليح المصري كأحد أكبر محفزات القلق الإسرائيلي. فالتقرير الذي كشفته منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية حول المخاوف من الموافقة الأمريكية على صفقة ضخمة لتطوير أكثر من 500 دبابة «أبرامز» بحوزة الجيش المصري، يضع التوازن العسكري بين مصر وإسرائيل على المحك، حيث إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تقوم تقليدياً على مبدأ «التفوق النوعي المطلق» على جيوش المنطقة مجتمعة.

لذلك فإن تحديث الدبابات المصرية، حتى وإن كان بموافقة الحليف الأمريكي المشترك، يعني تقليص الفجوة التكنولوجية، وهو ما تراه تل أبيب تهديداً مباشراً لسعيها للتفوّق.

ولا يكفي النفي المصري المستمر لتهدئة هذه المخاوف بالنسبة لتل أبيب، إذ إن السلام مع القاهرة يوصف دائماً بـ«السلام البارد». وبالتالي، فإن أي تطوير في ترسانة الجيش المصري — الذي لا يزال في نظر الوعي الإسرائيلي الجيش الأقوى والأكثر تنظيماً في المنطقة — يتم التعامل معه كرعب مؤجل، بغض النظر عن لغة الدبلوماسية الهادئة الصادرة من القاهرة.

وفي حين يرى محللون أن التحذيرات الإسرائيلية لا تخرج عن كونها «للاستهلاك المحلي» ومحاولة لخلق عدو وهمي لخدمة مصالح اليمين المتطرف، وضمان بقائه في الحكم عبر إيهام الشارع الإسرائيلي بأنه محاصر من كل الجبهات، فإن قراءة ما بين السطور تشير إلى واقع مختلف. وفي قراءة هادئة، لا تبدو الحرب بين إسرائيل ومصر حتمية أو وشيكة، ولا توجد حتى مؤشرات على احتمال وقوعها في المدى الأقصى المنظور، لكنها تظل احتمالاً قائماً في حسابات العقود المقبلة. وبالتالي فإن الاستعداد للسيناريو الأسوأ، يظل جزءاً من العقيدة الأمنية والعسكرية لكل الدول، طالماً لم تتلاشَ نزعة الحرب من الرؤوس الحامية

زر الذهاب إلى الأعلى