محضر استجواب معها

كتب: علي محمد سيقلي
في لحظة نادرة من لحظات الصلح، قررت أن أجلس معها جلسة مصارحة لا يجامل فيها أحدٌ أحدًا.
لا مستشارين، ولا محللين، ولا خبراء تنمية بشرية يطلبون منك أن تبتسم لكل عابر سبيل، وأن تفشي السلام على كل من هب ودب، وأن تعبر عن حبك للحياة بقبلٍ توزعها في الهواء الطلق دون أن تخص بها أحدًا، أو تجرح بها مشاعر أنثى، وأن تتأمل وجهك أمام المرآة خمس مرات يوميًا حتى تحفظه عن ظهر قلب.
كان لا بد من جلسة هادئة، بعيدًا عن الضجيج والنصائح الجاهزة والعبارات المعلبة التي تُباع على أنها وصفات سريعة للسعادة.
ولما قررت أن أجد نفسي، اكتشفت بعد سنوات طويلة أنني كنت أبحث عنها في الأماكن الخطأ. أفتش عنها في آراء الآخرين، وأقيسها بمقاييس الناس، وأحاكمها بأحكام لا تخصني أصلًا. وكلما ظننت أنني اقتربت منها، وجدت نفسي أطارد نسخة أخرى صنعها الآخرون لي.
عندها فقط اكتشفت أن الجلسة لم تكن معها بقدر ما كانت مع نفسي.
جلست أسألها:
ما الذي يحبطك؟
فأجابتني بقائمة أطول من فاتورة الكهرباء في بلد لا تأتيه الكهرباء أصلًا، ولا يعرف الناس إليها سبيلًا.
أحبطتني الوعود المؤجلة، والظروف المعقدة، والأخبار التي تستيقظ كل صباح لتثبت لنا أن الأسوأ ما زال يطور خدماته باستمرار. وأحبطني الانتظار الطويل لأشياء ظننا أنها قادمة، فإذا بها تلوح لنا من بعيد ثم تغير اتجاهها دون سابق إنذار.
وصدفة اكتشفت شيئًا مهمًا: أن الإحباط لا يُهزم بالشكوى، ولا يُعالج بالتذمر، ولا يختفي لأننا كتبنا عنه منشورًا غبيًا كهذا على وسائل التواصل الاجتماعي.
الإحباط يُهزم حين تقرر أن تواجهه، لا أن تتعايش معه كضيف دائم ثقيل الدم في حياتك.
ومن يومها حزمت أمري، ليس لأن الطريق أصبح أسهل، بل لأن البقاء في المكان نفسه صار أكثر إرهاقًا من السير إلى الأمام.
تعلمت أن التفاؤل ليس سذاجة كما يعتقد البعض، بل شجاعة. فأن تتمسك بالأمل في زمن يوزع الخيبات بالجملة، فهذا نوع من المقاومة لا يتقنه الجميع.
وبقدر ما تمنح نفسك من تفاؤل، تمنحها فرصة إضافية للنجاح.
أما المقارنات، فقد وضعتها في صندوق القمامة إلى جوار صداقات كثيرة اكتشفت متأخرًا أنها كانت تستهلك الوقت أكثر مما تصنع الأثر، ثم أغلقت الغطاء بإحكام.
لست معنيًا بأن أكون نسخة من أحد، ولا أن أدخل سباقًا لم أسجل اسمي فيه أصلًا. ثقتي بما أفعله لا تُقاس بما ينجزه غيري، لأن لكل إنسان طريقه، ولكل رحلة توقيتها، ولكل نجاح قصته الخاصة.
بعض الناس يقضون أعمارهم وهم يراقبون الآخرين من ثقب الباب، يحصون خطواتهم، ويقيسون المسافات بينهم وبين الآخرين. أما أنا فقد اكتشفت أن الطريق يصبح أجمل حين تنظر أمامك، بدلًا من الالتفات كل دقيقة إلى من يسارع الخطى ليسبقك.
لا أريد أن أسبق أحدًا.
أريد فقط أن أصل إلى أفضل نسخة من نفسي.
وحين فهمت هذه الحقيقة، شعرت براحة غريبة.
راحة تشبه أن تتوقف أخيرًا عن حمل أمتعة لا تخصك، وأن تدرك أن معركتك الحقيقية ليست مع الناس، بل مع الأفكار التي تحاول إقناعك بأن التراجع حكمة، وأن الاستسلام نوع من الواقعية.
لهذا قررت أن أجد نفسي.
وما زلت أمضي في الطريق نفسه.
لكنني هذه المرة أعرف جيدًا إلى أين أمضي.
عدن ـ الخميس الموافق 4 يونيو 2016م