مقالات وآراء

الجنوبي وقود الحرب… والشمالي حارس الثروة

كتب: صالح الفضلي

لماذا سلفيو الجنوب في الجبهات ضد الحوثي وسلفيو الشمال مكلفون بحراسة حضرموت؟

اليوم هناك أسئلة سياسية لا يجوز دفنها تحت ركام الشعارات، ولا إسكاتها بحجة أن البلاد في حالة حرب. بل إن الحرب نفسها تجعل طرحها أكثر إلحاحاً، لأن توزيع القوات ومواقع انتشارها يكشف أحياناً ما تعجز البيانات السياسية عن قوله.
ومن أكثر هذه الأسئلة إثارة للقلق اليوم:
لماذا يُدفع بالسلفيين الجنوبيين إلى جبهات القتال ضد الحوثيين، بينما يُكلف السلفيون الشماليون (في شكل قوات طوارئ وطلاب مراكز دينية) بالانتشار في حضرموت وحراسة مناطقها وثرواتها؟
هل نحن أمام توزيع عسكري عابر فرضته الضرورات الأمنية؟ أم أمام معادلة سياسية يجري تكريسها بهدوء:
الجنوبي يقاتل… والشمالي يحرس؟
وإذا كان الأمر كذلك، فمن الذي سيحصد ثمار هذه الحرب عندما تتوقف المدافع؟
الجنوبي وقود الحرب… والشمالي حارس الثروة
هذه العبارة القاسية ليست اتهاماً لكل فرد ينتمي إلى هذه القوات، ولا حكماً على عقيدة السلفيين. القضية تتعلق بالوظيفة السياسية والعسكرية التي يجري إسنادها إلى كل طرف.
فالسلفي الجنوبي الذي يحمل السلاح في مواجهة الحوثيين يذهب إلى الجبهة باعتباره مقاتلاً في معركة تحرير الأرض.
أما حين نجد قوات سلفية شمالية تنتشر في حضرموت في الخشعة في سيؤن في السويري، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
لماذا هنا تحديداً؟
لماذا لا يكون موقعها الطبيعي ـ إذا كانت المهمة هي هزيمة الحوثيين ـ في مأرب أو الجوف أو البيضاء أو تعز أو أي جبهة تلامس مناطق سيطرة الحوثيين؟ لماذا حضرموت؟ ولماذا الثروة؟ ولماذا المنافذ؟ ولماذا في المناطق التي لم تعد تحت سيطرة الحوثيين منذ سنوات؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد تكرار عبارة حماية الأمن
فالأمن سؤال، لكنه ليس جواباً.
الأمن: أمن مَن؟ ومن مَن؟ ولصالح مَن؟
إذا كان الحوثي هو العدو… فلماذا لا تتجه البنادق الشمالية من حضرموت إليه؟
لا يحتاج المرء إلى عبقرية عسكرية كي يدرك أن مواجهة الحوثيين تبدأ من المناطق التي يسيطرون عليها.
لكن عندما تتوزع القوات المناهضة للحوثيين بين الجنوب والشرق، وتصبح المناطق الجنوبية مسرحاً لإعادة الانتشار والتعبئة، يصبح من حق المواطن أن يتساءل:
هل ما زالت الأولوية هي إسقاط سلطة الحوثي في صنعاء؟
أم أن الأولوية أصبحت ضبط الجنوب وإعادة توزيع موازين القوة الجنوب؟
فالفرق بين المشروعين هائل.
في الأول، تكليف الجنوب بتحرير الشمال.
وفي الثاني، الجنوب يصبح ساحة لإدارة الجنوب نفسه وحراسة ثروته .
وهنا تكمن الكارثة فحضرموت ليست جبهة حوثية وحضرموت لم تكن يوماً صنعاء ولم تكن مأرب ولم تكن تعز ولم تكن جبهة مفتوحة أمام الحوثيين.
ومع ذلك، يجري التعامل معها أحياناً وكأنها منطقة تحتاج إلى استقدام قوى عسكرية من خارجها كي تحميها.
السؤال الذي يطرحه كثير من الحضارم والجنوبيين بسيط:
أين قوات حضرموت؟
لماذا لا تكون حماية حضرموت وشبوة مسؤولية قوات حضرمية جنوبية، ترتبط بمؤسسات محلية واضحة، وتدافع عن أرضها وثروتها وموانئها وحقول نفطها؟
لماذا يتحول ابن حضرموت وشبوة إلى متلقٍ للحماية، بدلاً من أن يكون هو صاحب القرار في حماية أرضه؟
إن تحويل حضرموت إلى منطقة انتشار لقوات لا تنتمي إلى نسيجها المحلي ليس مجرد مسألة عسكرية.
إنه، في نهاية المطاف، سؤال سيادة النفط يجعل السؤال أكثر إلحاحاً لماذا ينظرون لحضرموت على انها مجرد أهم خزائن اليمن.
النفط والغاز والموانئ والساحل الطويل والحدود تجعل حضرموت ذات قيمة استراتيجية تتجاوز حدودها المحلية.
ولهذا فإن السؤال عن هوية القوات التي تحرسها ليس ترفاً سياسياً.
والسؤال الذي لا يريد البعض سماعه
إذا كانت هذه القوات الشمالية قادرة على حماية حضرموت، فلماذا لا تستطيع حماية صنعاء؟
وإذا كانت قادرة على تأمين الحدود والثروة والمنشآت، فلماذا لا تُرسل إلى خطوط التماس مع الحوثيين؟
وإذا كانت الحرب ضد الحوثي هي الأولوية الأولى، فلماذا لا تكون صنعاء هي البوصلة؟
هذه ليست دعوة إلى إرسال أحد إلى الموت.
إنها مطالبة فقط بأن تكون هناك مطابقة بين الخطاب السياسي والوظيفة العسكرية.
إذا قلنا إن الحوثي هو العدو، فيجب أن تتجه الاستراتيجية إليه.
أما أن تتجه البنادق جنوباً، بينما يبقى الحوثي آمناً في صنعاء، فهذه معادلة تحتاج إلى تفسير.
لقد دفع الجنوبيون ثمناً باهظاً في هذه الحرب.
قاتلوا الحوثيين في عدن والضالع ولحج وشبوة والساحل الغربي وغيرها.
وسقط منهم آلاف القتلى والجرحى.
ولذلك لا يقبل الجنوب أن يُقال له بعد كل هذه التضحيات:
قاتلوا من أجل اليمن… ثم انتظروا لتروا من سيحكم الأرض التي حررتموها.
إذا كانت الشراكة حقيقية، فلتكن في القرار والثروة والأمن والسيادة.
أما أن يكون الجنوب خزاناً بشرياً للمقاتلين، وحضرموت خزاناً للثروة، ثم تأتي القوى من خارج الجنوب لتقرر من يحرس هذا الخزان ومن يدير موارده، فهذه ليست شراكة.
هذه إعادة إنتاج للمشكلة نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هو عليه.
أخيراً ليست القضية في كون الجندي سلفياً أو غير سلفي .
القضية أين يقاتل؟ ومن يقرر مكانه؟
ولماذا؟ ومن يموله؟ ومن يأمره؟
ولصالح أي مشروع سياسي؟
فإذا كان السلفي الجنوبي في الجبهة، والسلفي الشمالي في حضرموت، والحوثي في صنعاء، فليسمح لنا أصحاب الشعارات أن نسأل:
من الذي يقاتل من؟ ومن الذي يحرس من؟ ومن الذي يحكم من؟.
وحينها سيكون السؤال أكثر مرارة:
هل يقاتل الجنوبي لتحرير صنعاء… أم يقاتل لكي يظل غيره حارساً لثروته؟

زر الذهاب إلى الأعلى