الخطة ب: تمكين ألوية العمالقة والنخب والعاصفة ودرع الوطن الجنوبية وألوية الانتقالي في جبهات الجنوب

بقلم: صالح الفضلي
خلال العامين الماضيين، أُنفقت أموال كبيرة على تسليح وتدريب قوات درع الوطن، التي تضم عناصر جنوبية وأخرى شمالية، إلى جانب تشكيلات عسكرية في مأرب والوديعة وتعز، تحت عنوان إعداد قوة قادرة على خوض معركة حاسمة ضد الحوثيين والتقدم باتجاه صنعاء.
كان الرهان، بصورة أو بأخرى، أن إعادة بناء هذه القوات وتسليحها وتدريبها ستؤدي في النهاية إلى تغيير موازين القوى في الشمال، واستعادة العاصمة صنعاء، وإنهاء سيطرة الحوثيين. وبالتوازي مع ذلك، جرى ترتيب المشهد العسكري والسياسي في الجنوب بطريقة هدفت إلى طمأنة القوى الشمالية إلى أن محافظات الجنوب، ولا سيما حضرموت وشبوة وأبين، لن تتحول إلى قاعدة مستقلة عن حسابات الشرعية الشمالية. ولتطمين القادة الشماليين تمّت إزاحة جميع الألوية التي كانت تخضع للمجلس الانتقالي الجنوبي من المشهد؛ هكذا تم تشريد عناصر النخبة الحضرمية والشبوانية ولواء بارشيد وألوية العاصفة، وتمت إزاحة صالح بارجاش من قيادة المنطقة الثانية وكذلك أبوبكر حسين محافظ أبين السابق.
لكن التطورات الأخيرة تفرض مراجعة جدية لهذه المعادلة. فالقوات التي كان يُفترض أن تكون رأس الحربة في معركة استعادة صنعاء لم تتمكن، رغم ما حصلت عليه من دعم، من تحقيق الاختراق المنتظر. كما كشفت المواجهات الأخيرة محدودية قدرة جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي على إحداث التحول العسكري المطلوب في مواجهة الحوثيين.
وقد أدى ذلك إلى إضعاف منظومة عسكرية كانت تمتلك معرفة دقيقة بجغرافية الجنوب وبيئته الاجتماعية والأمنية، وبطبيعة المعركة مع الحوثيين.
وهنا برزت الحاجة إلى ما يمكن تسميته (الخطة ب)؛ ليس باعتبارها إعلانًا عن حرب جديدة، وإنما باعتبارها مراجعة استراتيجية لمسار أثبتت الوقائع أنه يحتاج إلى تعديل.
فاليوم لم يعد بالإمكان تجاهل أو إقصاء القوات الجنوبية بل على القيادة الاستفادة من حقيقة عسكرية بسيطة: القوة التي أثبتت قدرتها على القتال في بيئتها لا ينبغي تعطيلها لمجرد حسابات سياسية مؤقتة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تنظيم وتمكين ألوية العمالقة الجنوبية بمسماها الأصلي، والنخب الحضرمية والشبوانية، وألوية العاصفة، والقوات الجنوبية في درع الوطن، إلى جانب ألوية الانتقالي، يمكن أن تشكل إحدى ركائز إعادة بناء الجهد العسكري الذي يمكن أن يتصدى للحوثيين.
والهدف هو جمع القدرات العسكرية الجنوبية الموجودة أصلًا ضمن منظومة عمليات واحدة، تخضع لقيادة واضحة وأهداف محددة، وتعمل بالتنسيق مع التحالف وإنشاء غرفة عمليات جديدة لإدارة المواجهة مع الحوثيين وهزيمتهم، تضم القيادات العسكرية الجنوبية الفاعلة، وتعمل تحت إشراف قيادة واضحة، مع تمثيل مختلف التشكيلات وعدم تحويلها إلى أداة للصراع الداخلي.
ويمكن أن تضم هذه المنظومة، أو غرفة العمليات الجديدة، وفق التوافق العسكري والسياسي القادر فعلا على مواجهة الحوثيين، أبو زرعة المحرمي واللواء هيثم قاسم طاهر، إلى جانب القيادات الميدانية ذات الخبرة في الجنوب، ومن بينها صالح بارجاش، وشلال علي شائع، وعثمان معوضة، وجلال الربيعي، وعبد الرحيم عتيق، وعلي لحمر، وبامؤمن والوزير ابوبكر حسين وغيرهم من القادة الذين يمكن أن يضيفوا إلى منظومة القيادة المشتركة خبراتهم الميدانية والأمنية.
كما أن إعادة الاعتبار لبعض القيادات التي أُبعدت عن مواقعها، متى توافرت فيها الكفاءة والقبول، يمكن أن تكون جزءًا من هذه المراجعة، بدل أن تبقى التعيينات العسكرية رهينة للتوازنات السياسية. وعلى التحالف ربط التمويل والتسليح والتعيينات العسكرية بمعايير الكفاءة والجاهزية والإنجاز الميداني، لا بمجرد التوازنات السياسية.
أما مسألة الرواتب والمخصصات، فينبغي أن تخضع هي الأخرى لنظام تدقيق صارم يمنع الازدواج الوظيفي والوهمي، سواء تعلق الأمر بالعسكريين أو بالنازحين. وينبغي الإسراع في اتخاذ قرار بعدم صرف مرتب أي عسكري أو نازح شمالي إلا في مارب أو الوازعية أو المخاء.
وإذا كان الهدف الحقيقي هو هزيمة الحوثيين، فإن المطلوب هو توظيف كل قوة قادرة على القتال، بعيدًا عن الحاضنة الممكنة للحوثيين. وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: لا يجوز أن يُطلب من الجنوبيين أن يكونوا وقودًا دائمًا للمعارك، في حين تُترك مناطقهم في الوقت نفسه رهينة للترتيبات السياسية والأمنية التي لا تمنح قواتهم الدور الذي تستحقه.
إن إنقاذ ما تبقى من حكومة عدن لا يبدأ بالبيانات السياسية، وإنما بإعادة بناء قدرتها على الفعل العسكري والأمني بطريقة تتوافق مع مع محيطها وبيئتها الجغرافية وإذا كانت جبهات الشمال قد أثبتت خلال الفترة الأخيرة أنها غير قادرة على إحداث التحول المطلوب، فإن استمرار السياسة نفسها وانتظار نتائج مختلفة لن يكون سوى إهدار إضافي للوقت والمال.
والخطة ب ليست ضد أحد وليست إعلانًا عن مواجهة بين الجنوب والشمال، ولا دعوة إلى فتح صراع جديد داخل معسكر الشرعية. هي، قبل كل شيء، دعوة إلى الاعتراف بالواقع العسكري الذي برز صباح اليوم.
لقد حان الوقت للانتقال من إدارة التوازنات إلى إدارة التعامل مع الواقع.
وإذا كان الهدف هو إنقاذ ما تبقى من الشرعية ومنع الحوثيين من فرض معادلتهم على الجنوب والشمال والمنطقة، فإن إعادة تنظيم القوات الجنوبية وتمكينها ضمن قيادة عمليات مشتركة قد تكون إحدى أكثر الخطوات واقعية في هذه المرحلة.
فالخطر الحقيقي ليس في تغيير الخطة، وإنما في الإصرار على خطة أثبتت الوقائع أنها لم تعد كافية. و(الخطة ب) هي الفرصة الأخيرة لإعادة ترتيب أوراق المعركة قبل أن يصبح ثمن الانتظار أكبر من قدرة الجميع على دفعه.