مقالات وآراء

برزخ أقلام المقاومة الحرية والأقلام المرتعشة

كيف يتجلّى صراع مشروعي الحرية واستعادة الدولة ومشروع الاحتلال؟

كتب: د. فؤاد علي ناصر الحاج

#قراءة_لما_حصل_اليوم_في_الضالع

لسنا هنا في مجال المفاضلة بين من يكتب الكلمات الجميلة والكلمات المتسرعة، ولا بين من يملك العقل الراجح ومن يظن أنه الأكثر دهاءً. نحن نقف أمام موقفين لا ثالث لهما:

#الأول: موقف يقف مع مشروع استعادة الدولة ودحر الاحتلال، وما يترتب على هذا الموقف من رؤى ومواقف وسياسات.

#والثاني: موقف يرى في طاهر العقيلي ممثلًا لدولة موحدة، وأن الأمور على ما يرام، وأن المشهد، كما يقال، «على سنجة عشرة».

#فأين_يقف_التحليل_من_هذا_كله؟

يقف التحليل أمام الوقائع على الأرض، والسياسات، والمرامي التي تسعى إلى كسر المشروع التحرري الجنوبي.

ومن هنا، فإن الزيارة لا يمكن فصلها عن سياق الصراع السياسي والعسكري الدائر حول الجنوب؛ إذ يمكن قراءتها بوصفها تحديًا للمشروع الجنوبي، مشروع الحرية واستعادة الدولة وتقرير المصير.

وفي هذه القراءة، فإن ما قام به وزير دفاع الاحتلال، طاهر العقيلي، يأتي امتدادًا لسياسات والوصاية التي ألحقت أضرارًا بالجنوب، وما رافق أحداث حضرموت والمهرة والضالع ومناطق جنوبية أخرى من دماء وجراح لم تندمل بعد.

#الضالع.. #حين_تتحول_الزيارة_العسكرية_إلى #اختبار_سياسي

ما جرى في الضالع لا ينبغي قراءته باعتباره حادثة أمنية عابرة رافقت زيارة وزير الدفاع طاهر العقيلي، ولا باعتباره مجرد خلاف حول دخول مسؤول عسكري إلى معسكر أو محافظة.

القضية أعمق من ذلك بكثير؛ لأنها تتصل بسؤال جوهري: من يملك القرار العسكري والسياسي على الأرض في الجنوب؟

الضالع تحديدًا ليست محافظة عادية في الوعي السياسي الجنوبي؛ فقد ارتبطت تاريخيًا وميدانيًا بالمقاومة الجنوبية، وأصبحت رمزًا للصمود والمواجهة. ولذلك فإن الوصول إليها عسكريًا في هذا التوقيت يحمل، في القراءة السياسية، دلالة تتجاوز الهدف المعلن للزيارة.

الرواية الرسمية تقول إن الزيارة جاءت لتفقّد الجبهات والاطلاع على الاستعدادات العسكرية في مواجهة الحوثيين. وهذا تفسير معلن ينبغي تسجيله.

لكن التحليل السياسي لا يتوقف عند الهدف المعلن، بل يسأل أيضًا:

لماذا الضالع؟ ولماذا الآن؟ ولماذا رغم التحذيرات التي كانت قد صدرت من قوى اجتماعية ومحلية مرتبطة بالمقاومة وأسر الضحايا؟

وهنا تبدأ المفارقة، وهنا مربط الفرس، كما يقال.

الضالع ليست مجرد جغرافيا

الضالع هي القلب النابض للجنوب، ونبض الحرية. ولم تساوم على مبادئها في الحرية واستعادة الدولة.

ومن هنا نقول إن هذه الزيارة يمكن أن تُقرأ بوصفها محاولة لـفكفكة رأس المشروع الجنوبي، في الوقت الذي تسعى فيه شرعية الاحتلال ــ والأيادي الملطخة بدماء أبناء الجنوب، إلى فرض معادلة الاستسلام.

وهذا يعني، في الوعي الجنوبي، أن المطلوب من أسر الشهداء وأبناء الضالع وأبناء الجنوب هو القبول بمعادلة الوصاية والاحتلال.

إذا كان الجنوب ينظر إلى قضيته باعتبارها قضية تحرير واستعادة دولة، فإن الضالع تمثل في هذه المعادلة لبّ المقاومة ورأس المواجهة.

ومن ثم، فإن محاولة فرض حضور عسكري من خارج البنية المحلية للمقاومة في الضالع تُقرأ سياسيًا باعتبارها اختبارًا لحدود النفوذ والقدرة على فرض القرار.

فالوصاية والاحتلال، وفق هذه القراءة، يسعيان إلى إثبات أنهما قد أسقطا كل شيء، وأن الذمم قد اشتُريت، وأن الجميع أصبح مطبّعًا وخانعًا، ويسير وفق أجندة الوصاية والاحتلال.

#وهنا تبرز الأسئلة المهمة والدقيقة.

#فالسؤال ليس فقط:

#هل يستطيع وزير دفاع الاحتلال دخول الضالع؟

#بل السؤال الأهم:

#هل_يستطيع_القرار_العسكري_القادم_من_خارج #الضالع_أن_يفرض_نفسه_على_الضالع؟

وهذا فرق جوهري.

#الرسالة_لكل_الجنوب

لماذا يمثل الأمر رسالة إلى بقية الجنوب؟

هنا تظهر أخطر دلالات الحدث.

فالضالع، بسبب رمزيتها، يمكن أن تكون ــ في الحسابات السياسية ــ رسالة إلى الجنوب كله.

إذا استطاعت جهة ما إخضاع الضالع، وهي المحافظة التي ارتبط اسمها بالمقاومة الجنوبية ورمزيتها السياسية والقيادية والثورية، فإن الرسالة النفسية التي يمكن أن تصل إلى بقية المحافظات ستكون:

إذا كان رأس المقاومة قد تم تطويقه أو إخضاعه، فما الذي تستطيع بقية المحافظات فعله؟

هذه هي القراءة السياسية المفسرة للزيارة والحدث.

ومن يظن أن قوى الاحتلال تتصرف ببراءة متناهية، ويفصل هذه الزيارة عن حقيقة الصراع الدائر بين الاحتلال والمشروع التحرري الجنوبي، فهو ــ وفق هذه القراءة ــ واهم.

فالسياسة لا تُقرأ بمعزل عن المكان والتوقيت والسياق السابق.

ولهذا فإن الضالع، في هذه اللحظة، ليست مجرد ساحة اشتباك؛ إنها ساحة اختبار للمعادلة الجنوبية كلها.

دماء حضرموت والمهرة والضالع حاضرة في المشهد

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله.

صحيح أن الحدث جاء في ظل جراح سياسية ومجتمعية لم تُغلق بعد، وخصوصًا ما يتعلق بالأحداث التي شهدتها حضرموت والمهرة والضالع، وما رافقها من قتلى وجرحى واحتقان واسع.

لكن الحقيقة التي يجهلها الكثير من المحللين ــ وفق هذه الرؤية ــ هي أن الصراع يتجاوز الخلاف السياسي العابر؛ فهو صراع بين مشروعين متناقضين:

مشروع الحرية والكرامة واستعادة الدولة وتقرير المصير، ومشروع الاحتلال والوصاية ونهب الأرض والثروة.

لذلك فإن دخول مسؤول عسكري ببزّة الاحتلال العسكرية إلى الضالع، مركز المقاومة ورمزها، يُقرأ في هذا السياق باعتباره، استكمالًا لمشروع الوصاية والاحتلال.

وفي الوعي الشعبي، الذاكرة لا تفصل بين الجغرافيا.

دماء حضرموت ليست منفصلة عن الضالع، والضالع ليست منفصلة عن المهرة أو شبوة أو أبين أو عدن.

وهذا ما يجعل أي خطوة عسكرية في هذه المرحلة قابلة للتحول سريعًا من حدث ميداني إلى قضية سياسية جنوبية عامة.

#الخلاصة

في تقديري، يمكن اختزال جوهر أحداث الضالع في جملة واحدة:

لم تكن المعركة على معسكر فقط؛ كانت المعركة على معنى القضية نفسها: قضية الحرية واستعادة الدولة في المقام الأول، وعلى معنى الضالع ومكانتها في المعادلة الجنوبية، وعلى سؤال: من يملك القرار العسكري في أرض الجنوب؟

ولهذا فإن الضالع، بوصفها رمزًا للمقاومة الجنوبية، أصبحت في هذه اللحظة أمام اختبار تاريخي:

هل يمكن تجاوز إرادتها السياسية والمجتمعية بقرار عسكري من خارجها؟

أم أن واقع الجنوب يقول إن أي قرار يتعلق بأمنه ومستقبله لا يمكن أن يُفرض عليه بالقوة، وأن الضالع ستظل صمام أمان الجنوب وحصنه الحصين؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:

من أراد أن يجعل الضالع رسالةً إلى الجنوب، قد يجعل ما حدث فيها رسالةً من الضالع إلى الجنوب كله.

زر الذهاب إلى الأعلى