الدولة لا تُبنى بالفكر الواحد.. والقمع يولّد الانفجار

بقلم: الشيخ أمين الأميني
لا تُبنى الدول بالفكرة الواحدة، ولا تستقر المجتمعات بإسكات المختلفين، ولا تصنع الأوطان بالقوة وحدها. فالدولة الحديثة ليست مشروعًا لإنتاج نسخة واحدة من المواطنين، وإنما إطارٌ جامع تتسع داخله الأفكار والآراء والمعتقدات والتوجهات المختلفة، ما دامت جميعها تتحرك في إطار القانون والمصلحة العامة.
التاريخ السياسي للإنسانية يقدّم درسًا واضحًا: كلما حاولت السلطة إلغاء الاختلاف بالقوة، صنعت بيئة أكثر قابلية للانفجار. قد ينجح القمع في إسكات الأصوات لفترة، لكنه لا يستطيع إلغاء الأفكار، وقد يفرض الصمت في الشوارع، لكنه لا يصنع القناعة في العقول.
إن الدولة القوية ليست تلك التي يخشى مواطنوها من التعبير، وإنما تلك التي يشعرون فيها بالأمان وهم يختلفون. وليست السلطة القوية هي التي تمنع النقد، بل التي تستطيع الاستماع إليه، وتصحيح أخطائها، وتحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى وسيلة لتحسين الأداء العام.
الفكر الواحد قد يبدو مريحًا للسلطة في لحظة معينة؛ لأنه يقلل مساحة الاعتراض ويمنح صورة زائفة عن الانسجام. لكن المجتمعات الحقيقية لا تسير بهذه الطريقة. ففي داخل كل مجتمع مصالح متعددة، وتصورات مختلفة، وأجيال تتغير، وأسئلة جديدة تظهر باستمرار. ومحاولة إخفاء هذه الحقيقة لا تلغيها، بل تؤجل مواجهتها.
وحين تُغلق أبواب الحوار، يبحث الناس عن أبواب أخرى. وحين يصبح النقد جريمة، يتحول التذمر إلى غضب مكتوم. وحين يشعر المواطن أن القانون لا يحمي حقه في الاختلاف، يبدأ في فقدان ثقته بالدولة ومؤسساتها.
وهنا تكمن خطورة القمع؛ فهو لا يعالج أسباب الأزمة، وإنما يدفعها إلى الأعماق.
والقمع يولّد الانفجار ليس لأن كل مختلف يسعى إلى الصدام، وإنما لأن الإنسان حين يفقد القنوات السلمية للتعبير عن مظالمه ومطالبه، تتسع المسافة بينه وبين مؤسسات الدولة، وقد تتحول الخلافات السياسية والفكرية إلى أزمات اجتماعية يصعب احتواؤها.
لذلك فإن بناء الدولة يحتاج إلى ثقافة مختلفة: ثقافة تعترف بأن الاختلاف طبيعي، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن النقد ليس عداءً، وأن تعدد الآراء لا يعني بالضرورة تعدد الولاءات.
الدولة التي تحترم مواطنيها لا تطلب منهم أن يتفقوا في كل شيء، وإنما تطلب منهم أن يختلفوا دون أن يتحول اختلافهم إلى عداء، وأن يحتكموا إلى القانون والمؤسسات بدلًا من القوة والفوضى.
ومن هنا، فإن المواطنة المتساوية يجب أن تكون أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع. فلا قيمة لدولة ترفع شعارات غير معقولة بينما يشعر جزء من مواطنيها أنهم مستبعدون، ولا معنى للاستقرار إذا كان قائمًا على الخوف، ولا يمكن للسلام أن يستمر إذا كانت أسبابه غائبة.
إن الدولة التي تريد الاستمرار لا تحتاج إلى إلغاء خصومها، بل إلى استيعابهم ضمن قواعد سياسية وقانونية واضحة. ولا تحتاج إلى إسكات المجتمع، بل إلى بناء مؤسسات تسمح له بالتعبير والمشاركة والمساءلة.
وفي عالم اليوم، لم يعد من الممكن إدارة المجتمعات بمنطق الصوت الواحد إلى ما لا نهاية. وسائل الاتصال جعلت المعلومة أسرع من قدرة الرقابة على حجبها، والأجيال الجديدة أكثر وعيًا بحقوقها، والمجتمعات أكثر حساسية تجاه الإقصاء والتمييز.
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تدرك السلطات أن الاستماع أقل كلفة من القمع، والحوار أقل خطرًا من الانفجار، والشراكة أكثر استدامة من الإقصاء.
الدولة ليست ملكًا لحزب، ولا لجماعة، ولا لتيار فكري، ولا لجغرافيا بعينها. الدولة ملك لمواطنيها جميعًا، ومؤسساتها ينبغي أن تكون فوق الصراعات، والقانون يجب أن يكون المرجعية التي يتساوى أمامها الجميع.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدولة بعدد الأصوات التي أسكتتها، وإنما بعدد المختلفين الذين استطاعت أن تجعلهم شركاء في بنائها.
فالدولة التي تتسع للاختلاف تبني الاستقرار، أما الدولة التي تخشى الاختلاف فتراكم أسباب الانفجار.