الأسد الدكتور أحمد الطيبي في عرين الكنيست

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
1 نوفمبر 2026م
الأسد الدكتور أحمد الطيبي في عرين الكنيست ..
الدكتور أحمد الطيبي طبيب النساء الذي صار صوت مليوني فلسطيني في الداخل ومستشار عرفات الذي صار كابوس اليمين الإسرائيلي ورئيس كتلة القائمة المشتركة الذي جعل الصوت العربي في انتخابات 27 أكتوبر 2026 مفتاح تشكيل الحكومة كلها …
هناك رجال يدخلون البرلمان ليجلسوا على كرسي وهناك رجال يدخلون البرلمان ليحولوا الكرسي نفسه إلى منبر وهناك رجل واحد دخل الكنيست الإسرائيلي منذ 27 سنة فحول قاعة الكنيست كلها إلى ساحة معركة بالكلمة وبالقانون وباللغة العربية وبالأذان وبالذاكرة الفلسطينية.
اسمه أحمد كامل أحمد الطيبي
ولد في 19 ديسمبر 1958 في مدينة الطيبة في المثلث وهي مدينة عربية تقع على بعد 16 كيلومترا شرق ساحل البحر المتوسط وشمال تل أبيب وتربى في بيت فلسطيني جذوره في يافا فأبوه كمال الطيبي ولد في يافا وعاش النكبة وعرف معنى أن تخسر بيتك وتبقى بلا وطن.
ومنذ طفولته كان الطيبي يعرف أن الفلسطيني في الداخل يعيش معادلة مستحيلة فهو فلسطيني في الهوية وإسرائيلي في الجنسية وهو عربي في اللغة والثقافة ويهودي الدولة في القانون والجيش والميزانية.
ولهذا اختار الطب أولا لأنه أراد أن يعالج الناس قبل أن يعالج السياسة.
فدرس الطب في الجامعة العبرية في القدس وهي أعرق جامعة إسرائيلية وتخرج بامتياز عام 1983 ثم بدأ تخصصه في طب النساء والتوليد في مستشفى هداسا في القدس عام 1948م.
وكان طبيبا ناجحا يحبه مرضاه ويحترمه زملاؤه حتى عام 1987 حين وقع حادث غريب غير حياته كلها فطرد من المستشفى بعد مشاجرة مع حارس أمن طلب منه فتح حقيبته للتفتيش.
ويقول الطيبي حتى اليوم إن ذلك الحادث فتح عينيه على حقيقة أن الطبيب العربي حتى لو كان متفوقا يبقى مشتبها به عند الباب.
وترك الطب واتجه إلى السياسة من بابها الأوسع من باب منظمة التحرير الفلسطينية.
فمنذ عام 1984 كانت له اتصالات مع المنظمة ولقي ياسر عرفات في تونس حين كان اللقاء مع عرفات ممنوعا بقانون إسرائيلي ويعاقب عليه بالسجن.
وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 اختاره عرفات ليكون مستشاره السياسي الخاص ورفيق دربه ومترجمه وصوته في المفاوضات.
وبقي الطيبي مستشارا لعرفات ست سنوات كاملة من 1993 إلى 1999 وكان معه في كل مكان في غزة وفي رام الله وفي واشنطن وفي القاهرة.
وفي عام 1998 كان الطيبي هو الناطق الرسمي باسم الوفد الفلسطيني في مفاوضات واي ريفر في أمريكا التي أدت إلى مذكرة واي ريفر بين عرفات ونتنياهو برعاية الرئيس بيل كلينتون.
وكان الإسرائيليون يرون الطيبي واقفا خلف عرفات في كل صورة ويسمعون صوته في كل مؤتمر صحفي فيقولون هذا هو ظل عرفات وهذا هو الرجل الذي يعرف أسرار المفاوضات كلها.
وفي مارس 1999 اتخذ الطيبي قرارا غير حياته وحياة العرب في الداخل كلها.
فاستقال من منصب مستشار عرفات وقرر أن يخوض الانتخابات الإسرائيلية وأن ينقل المعركة من غرف المفاوضات المغلقة إلى قاعة الكنيست المفتوحة أمام الكاميرات.
وأسس قبل ذلك عام 1996 مع مجموعة من الأكاديميين العرب الحركة العربية للتغيير واسمها المختصر تعال وهي حركة تقول إن العربي في إسرائيل لا يجب أن يكون ضيفا على السياسة الإسرائيلية بل صاحب بيت وصاحب حق وطني وقومي.
وسجلت الحركة نفسها حزبا قبل انتخابات 1996 لكنها لم تخضها خوفا من نسبة الحسم.
وفي انتخابات 1999 خاض الطيبي الانتخابات في تحالف مع التجمع الوطني الديمقراطي بزعامة عزمي بشارة تحت اسم التجمع الوحدوي وحصل التحالف على مقعدين ودخل الطيبي الكنيست لأول مرة.
وبعد أشهر قليلة اختلف مع بشارة وانفصل عنه وأعاد تشكيل كتلته باسم تعال وبدأ مسيرة برلمانية لم تتوقف يوما واحدا حتى اليوم 27 سنة كاملة في الكنيست من الكنيست الخامسة عشرة إلى الكنيست السادسة والعشرين.
وفي عام 2003 حاولت لجنة الانتخابات المركزية شطب الطيبي ومنعه من الترشح بحجة أنه يدعم الإرهاب فرفع القضية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية فألغت المحكمة القرار بالإجماع وقالت إن الطيبي له الحق في الترشح.
وفي عام 2006 صار الطيبي نائب رئيس الكنيست وهو أول عربي يصل إلى هذا المنصب بهذا الثقل وبقي نائب رئيس الكنيست في دورات كثيرة من 2006 إلى 2019 ومن 2019 إلى 2022 وكان يدير جلسات الكنيست بالعبرية الفصيحة ويوقف الوزراء عند حدهم ويعطي الكلمة للنواب العرب حين يحاول اليمين إسكاتهم.
وفي عام 2008 أسس الطيبي لجنة التحقيق البرلمانية لتشغيل العرب في القطاع العام وترأسها حتى 2012 وكشف أن العرب وهم 20 بالمئة من السكان لا يشغلون إلا أقل من 7 بالمئة من وظائف الدولة.
وفي عام 2010 وقف الطيبي في الكنيست وألقى خطابا بالعبرية عن المحرقة اليهودية الهولوكوست فقال إن الفلسطينيين يفهمون ألم اليهود لأنهم ذاقوا ألم النكبة ووصف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين الخطاب بأنه واحد من أفضل الخطب التي سمعها في الكنيست في حياته.
وفي عام 2012 كان الطيبي أول نائب عربي في تاريخ الكنيست ينجح في تمرير قانون باسمه ضد معارضة الحكومة وهو قانون تعويض المسافرين عن تأخر الطائرات وإلغاء الرحلات فصار القانون يعرف في إسرائيل بقانون الطيبي.
وفي عام 2015 ولدت القائمة المشتركة
فقد رفع الكنيست نسبة الحسم من 2 بالمئة إلى 3.25 بالمئة ليقصي الأحزاب العربية الصغيرة فاجتمعت الأحزاب العربية الأربعة الجبهة والتجمع وتعال والقائمة الموحدة في قائمة واحدة اسمها القائمة المشتركة وفازت في انتخابات 2015 بثلاثة عشر مقعدا وصارت ثالث أكبر كتلة في الكنيست.
وفي انتخابات مارس 2020 وصلت القائمة المشتركة إلى ذروتها التاريخية بخمسة عشر مقعدا في برلمان من 120 مقعدا وصارت قوة لا يستطيع أحد تشكيل حكومة بلا حسابها.
ثم تفككت القائمة واتحدت وتفككت من جديد بسبب الخلاف حول المشاركة في الحكومات الإسرائيلية فخرجت القائمة الموحدة بزعامة منصور عباس وفضلت المشاركة في الائتلاف وبقيت القائمة المشتركة ترفض المشاركة في أي حكومة تضم اليمين المتطرف.
وفي انتخابات 27 أكتوبر 2026 عادت القائمة المشتركة إلى الوحدة من جديد في تحالف ثلاثي ضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحركة العربية للتغيير والتجمع الوطني الديمقراطي.
وترأس القائمة في هذه الانتخابات البروفيسور يوسف جبارين عن الجبهة وجاء الطيبي في المرتبة الثانية وهو رئيس كتلة القائمة المشتركة وقائدها البرلماني والمفاوض الأول باسمها وجاء سامي أبو شحادة عن التجمع في المرتبة الثالثة.
وحاولت لجنة الانتخابات المركزية شطب القائمة كلها وشطب مرشحيها قبل الانتخابات فرفعت القائمة القضية إلى المحكمة العليا فألغت المحكمة قرار الشطب وأقرت حق القائمة في خوض الانتخابات.
ويوم الانتخابات 27 أكتوبر 2026 كان يوما تاريخيا بكل المقاييس.
فقد أعلنت لجنة الانتخابات أن نسبة التصويت العامة بلغت 77.7 بالمئة وهي الأعلى منذ عام 1999 بزيادة 7.1 بالمئة عن انتخابات 2022 وأن نسبة التصويت في المجتمع العربي الفلسطيني بلغت 80 بالمئة وهي نسبة لم تحدث من قبل.
واحتشد آلاف الناخبين العرب أمام مراكز الاقتراع في الطيبة والنقب والمثلث والناصرة وشفاعمرو ووقفوا ساعات طويلة في الطوابير.
وقال الطيبي بعد أن أدلى بصوته في الطيبة الشوارع والصناديق مليئة كما لم تكن في الماضي وأنا على يقين أنه في نهاية هذا اليوم سنحقق نصرا كبيرا وقال رغم محاولات عرقلة التصويت وبطء العملية وإخفاء أوراق الاقتراع العربية مصممون أن نبقى ونصوت مهما كانت الإعاقة والتأخير.
وبعد فرز 77.6 بالمئة من الأصوات ظهرت النتيجة التي قلبت إسرائيل كلها.
معسكر نتنياهو 54 مقعدا ومعسكر التغيير بزعامة غادي آيزنكوت 49 مقعدا والقوائم العربية 17 مقعدا.
وبعد اكتمال الفرز شبه النهائي حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدا ومعسكر آيزنكوت على 48 مقعدا والعرب مجتمعون على 19 مقعدا توزعت بين 11 أو 12 مقعدا للقائمة المشتركة و7 مقاعد للقائمة الموحدة.
أي أن لا أحد يستطيع تشكيل حكومة بلا العرب فالأغلبية المطلوبة هي 61 مقعدا ولا معسكر يملكها.
وهنا صار الطيبي هو الرجل الأقوى في إسرائيل بلا منصب وزاري.
ففي 28 أكتوبر 2026 وقف الطيبي أمام قناة الجزيرة وقال إن القائمة المشتركة حققت تقدما غير مسبوق وإن استطلاعات الرأي منحتها 12 مقعدا وإن الجمهور الذي منحها ثقته يريد تغيير الواقع وإسقاط حكومة نتنياهو وإن الخطوة الأولى هي إزاحة نتنياهو ورئيس الكنيست أمير أوحانا.
وفي بيان رسمي لوكالة الأناضول في نفس اليوم قال الطيبي نمد أيدينا نحو التغيير المنشود بإقصاء حكومة نتنياهو وبن غفير والذي سيبدأ بالإطاحة برئيس الكنيست وقال إن التصويت الكثيف للمواطنين العرب إنجاز تاريخي للقائمة المشتركة التي لبت نداء الجماهير بالوحدة وأثبتت أنها قوة حاسمة لا تغيير بدونها.
وفي مقابلة مع الإعلامي طوني خليفة في برنامج توتر عالي على قناة المشهد قال الطيبي لن نشارك في حكومة تضم بن غفير وسموتريتش ولن نمنح المعارضة أصواتنا مجانا والصوت العربي قادر على تغيير المعادلة السياسية.
وقال إن إسقاط نتنياهو لا يعني بالضرورة حكومة سلام بل يعني فتح المجال أمام بديل أقل سوءا.
وأعلن استعداد القائمة لدعم حكومة بقيادة آيزنكوت من خارج الحكومة بلا وزراء وبلا مقاعد وزارية مقابل تفاهمات مكتوبة حول حقوق المجتمع العربي ووقف الحرب ووقف هدم البيوت ووقف ملاحقة النقب.
وفي مقابلة مع الأناضول في 30 أكتوبر 2026 اتهم الطيبي نتنياهو بالسعي للبقاء رئيسا لحكومة انتقالية ولإجراء انتخابات جديدة في مارس وبالسعي لنزع الشرعية عن أصوات العرب ووصف اتهامات الليكود بالتزوير بأنها كلام الخاسرين.
أما لماذا يسميه الناس الأسد فلأن الطيبي لا يخاف في الكنيست من أحد
فهو الرجل الذي رفع الأذان في وسط الكنيست حين ناقش الكنيست قانونا لمنع الأذان بمكبرات الصوت فوقف وقال الله أكبر بصوت عال في القاعة فاهتزت القاعة وصار الأذان في الكنيست صورة لا تنسى في تاريخ فلسطين.
وهو الرجل الذي يواجه بن غفير وسموتريتش وجها لوجه في القاعة ويقول لهم بالعبرية الفصيحة أنتم إرهابيون وأنتم عنصريون وأنتم تريدون طردنا من وطننا ولن نخرج.
وهو الرجل الذي يتكلم العبرية بطلاقة أهلها والعربية بفصاحة أهلها فينتقل من لغة إلى لغة في الجملة الواحدة فيفهمه اليهودي والعربي معا.
وهو الرجل الذي يقول عن نفسه في كل مقابلة أنا فلسطيني في القومية وإسرائيلي في المواطنة ولن أتنازل عن أي واحدة منهما.
ولهذا صار الطيبي كابوس اليمين الإسرائيلي فاليمين يريد عربا صامتين يقبلون بالفتات والطيبي يريد عربا شركاء في القرار ويريد دولة كل مواطنيها ويريد إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
ويقول مؤيدوه إن الطيبي هو امتداد لعرفات في الداخل فعرفات كان يقود المقاومة من الخارج والطيبي يقود المقاومة البرلمانية من الداخل.
ويقول خصومه إنه خطيب بارع لكنه لا يملك حلا.
أما الحقيقة التاريخية فهي أن الطيبي بقي 27 سنة في الكنيست لم يغب عنها دورة واحدة وصار أقدم نائب عربي فيها وأكثرهم حضورا في الإعلام العبري والعربي معا وصار اسمه مرادفا للصوت العربي في إسرائيل.
وفي 1 نوفمبر 2026 يقف الطيبي اليوم في مفترق طرق تاريخي فإما أن ينجح في إسقاط نتنياهو ويفتح بابا جديدا للعرب في إسرائيل وإما أن يذهب نتنياهو إلى انتخابات جديدة ويحاول إقصاء العرب من جديد.
لكن الطيبي يقول بثقة الأسد الذي خبر الكنيست ربع قرن إن الصوت العربي في 27 أكتوبر 2026 لم يعد صوتا هامشيا بل صار صوتا حاسما وإن من أراد أن يحكم إسرائيل بعد اليوم عليه أن يمر من الطيبة ومن الناصرة ومن النقب ومن أم الفحم.
هذا هو الدكتور أحمد الطيبي طبيب النساء الذي ترك عيادته ليعالج وطنا كاملا ومستشار عرفات الذي ترك رام الله ليحرس فلسطين من داخل الكنيست والأسد الذي يزأر بالعربية في قاعة عبرية فيسمعه العالم كله .