أسماء .. قصة قصيرة لـ آية الغانم

على حافّة الليل أسكبُ أشواقي لها في كأسٍ من الحنين، أُسامرُ طيفَها وأتحايلُ على النّجوم، لأُطفِئ القمرَ وأُضيءَ وجهها، لأغرقَ في ذكرياتنا وأنسى المسافاتِ.
-الو، مرحبًا.
-أهلًا، تفضلي.
-أريدُ التّحدُّثَ إلى أسماءَ من فضلِكِ.
-أسماء في الأردن منذ عشرة أيام.
-ثُمَّ بِكُلِّ انفجاعي قُلتُ: ماذا؟ لِمَ لمْ تُخبرني؟
وقبل أن ياتيني الرد على استفهامي الإنكاري قلتُ حسنًا شكرًا لكِ وأغلقتُ السماعة.
شرعَ قلبي ببكاءٍ بكَتْ حينها كُل جوارحي معه وازدادت بشكلٍ مُخيفٍ ضرباتُ قلبي وهوى إلى القاع السحيق، يقعُ بقوّة ويعودُ أليَّ مكسورًا، ثمَّ يقعُ ويعودُ مكسورًا أكثر، ما حيلتُهُ الآن؟
بدأتُ ألتقطُ أنفاسي الهاربة لا أدري إلى أين وممَّ، ألتقطُها بكلّ هشاشتي بعد سماعي هذا الخبر المفجع، إنَّهُ حقًا لخبرٌ مفجع، في صِغري وفي الأربعِ أعوامٍ ونيّف التي عرفتُ أسماءَ بدايةً بها لم أكن أتوقّع أنَّهُ سيأتي يومٌ وترحلُ -ضنى قلبي- لمكانٍ بعيدٍ كهذا، وأوّلُ ما خطر ببالي فكرةٌ منكسرة أنَّني لن أراها بعدَ اليوم، طردتُها على عجلٍ لأني لم أتقبَّلها وهي مجرّد فكرة، لا جعلَها اللهُ حقيقةً.
رفيقةُ عمري التي رافقتني عمري وهي بعيدة، رافقتني خيالي ولياليَّ الطِّوال ودعائي الذي لم يخلُ يومًا واحدًا منها، رافقتني فِراقًا قسمَ ظهري وكسرَ قلبي، أردتُها بجانبي دائمًا، أُعينُها على الصعودِ معي حتى لو كلّفني ذلك أن أُعطيها من قوّتي ونجاحي. أقسمُ أنَّ هذا كان تفكيري.
عاهدتُها بيني وبينَ نفسي -عهدَ حُرَّةٍ- بأن نعيشَ عمرًا كاملاً سعيدًا معًا ونأخذَ الإعدادية والثانوية معًا وندخلَ الجامعة معًا ونُسمّي بناتنا على أسمائِنا، عاهدتُها أن نشيبَ معًا. ولكن شابت قلوبُنا باكرًا ونحن بعيدتان إلى هذا الحد، إلى الحد الذي جعلني مكسورةً بفِراقها، لقد حدثَ كُل ما لم أكن أتوقّعُ يومًا -بتفكيرِ طفلةٍ- أن يحدث.
لقد ذهبَ عُمري سُدىً بفراقِها، شاب قلبي وحدي ولم أجد كتفها أضعُ رأسي عليه إذا مالت بي الحياة، وأعلمُ أنّها لم تجدني جانبها كذلك، حسرة رؤيتها واحتضانها بقيت في مقبرة الحسرات بقلبي.
كُنتُ سعيدة بها، أُقسم أنّي كنتُ سعيدة بأنَّ أسماء هي صديقتي رغمَ أني كُنتُ طفلة لم تدرك بعد ماذا تعني الصداقة، كُنا في الثالث الإبتدائي عندما مددتُ لها يدي أوَّل مرّة وانتشلتُها من عزلتها فأمسكتها، وجعلتُ مني صديقتها.
بيتي كان قريبًا من بيتها، أصعدُ إلى السطح وأُلوّح لها بيدي، يُحدِّثُها قلبي وتسمعه وتردُّ عليه بابتسامةٍ تجذبُ قلبي إليها وتُبقيه عندها، لو أرادت مني شيئًا أو اشتاقت إليَّ تبعث لي بورقةٍ تجتزئُها من طرفِ دفترها وتكتب لي ما تريد بخطِّها الفتّان على بساطته والذي أشعرُ به يحتضنني، يُطرَقُ بابُ بيتي فإذا بأُختها الصغيرة كحمامةِ السلام تحملُ لي الرسالة، أقرأُها بابتسامةٍ باديةٍ على قلبي واللهِ، أسماء كانت على يدها تخرجُ أكبرُ الابتسامات من قلبي حتّى يبتسمَ الكونُ كُلُّهُ أمامَ عينيَّ.
قبلَ أنْ أُفجعَ بفقدها بأيامٍ بعثتْ لي برسالةٍ صغيرة بخطّ يدها الذي ما زلتُ أتقوَّتُ به كُلّما ضاقَ بي الفضاءُ اشتياقًا لها، قالت فيها:
” درعا2010
من المُحبَّة أسماء إلى ضوءِ طريقها آية..
اليوم ذهبتُ إلى المدرسة ورأيتها موحشةً لأوّلِ مرّة، لا تلاميذ، ولا مُعلّمين، ولا حتّى قطط، لم يكن يومَ عُطلة، لكنّهُ كانَ يومَ حرب، وهذا يكفي لوجودِ كُلِّ هذا الكمِّ من الغُربة في مكانٍ لطالما كانَ موطنك الأول.
حتّى أنتِ لم أجدْكِ هناك، وحدي الآن مستغربةً كيفَ أنّي لم أشعرْ بالخوف، جلستُ قليلًا وفكّرتُ كثيرًا بأفكارٍ لا يسعني ذكرها هُنا، أدركتُ عدم جدوى تغيير أيِّ شيءٍ أو مجيء أيِّ أحدٍ إلى هُنا أُشاركُهُ غُربتي الكبيرة هذه، فعدتُ أدراجي لمنزلي أحملُ خيبتي الكبيرة في حقيبتي مع الكتب التي وضعتها صباحًا حسبَ برنامجي المدرسيّ لليوم.
عجبًا لحقيبتي المهترئة هذه! كيفَ اتَّسَعتْها؟
أعلمُ أنَّ والديكِ منعاكِ من الذهاب للمدرسة خوفًا عليكِ، كما فعلَ أهالي كل التلاميذ، المدرسة التي بقيت أبوابها مُشرَّعة لكن أجبرتها الحربُ أن تُغلقَ قلبها لاستقبالِنا كُلّ يومٍ صباحًا، يا لأسفي! ما من صباحٍ بعدَ اليوم.
لكنّي كذّبتُ على أمّي وأبي المريض بأنّكِ أخبرتني أنَّ المعلّمة ستأتي اليوم وتُعطينا الدروس، فسمحَتْ لي ثقةً منها بكِ.
مازالت تثقُ بكِ، أنا التّي كذّبت كي تراكِ.
والآن وفي مساء هذا اليوم أودُّ مساعدتكِ في حلِّ الوظيفة في الصفحة الثلاثين من كتاب القواعد، فبمعرفتكِ أحببتُ الدراسة، وأحببتُ الحياةَ بكِ يا صديقتي، كيفَ لا وأصبحتُ أراها من عينيكِ الجميلتين؟ لقد جمّلتِ الحياة وبدَّدْتِ وحشتها، وأيضًا أردتُ أن أخبركِ سرًّا تعرفينَه: اشتقتُ إليكِ، وسأشتاقُ لكِ دائمًا، أعدُكِ.
وإلى اللقاء في صباحٍ مدرسيٍّ آخر.”
لم يأتِ هذا الصباح منذ اثنتا عشرة سنة.
لِمَ لَمْ تُخبريني أنَّ هذه الرّسالة هي الأخيرة؟
لمَ لمْ تُخبريني أنّكِ راحلة؟ ولو بورقةٍ أخرى فيها كلمة واحدة فقط “سأعود” حينها سأعرفُ أنّكِ سترحلين كما كُل الأشياء التي أحببتُها في حياتي، كُنت ودّعتُكِ على الأقل، ألا استحقُّ منكِ وداعًا أخيرًا؟ كنتُ احتفظتُ برائحتك بقلبي وداخلي وملأتُ رئتيَّ منها ثُمَّ قطعتُ أنفاسي حتّى تعودي، أتنفَّسُ بعودتك فقط.
لمَ لمْ تحاولي فهمَ إحساسكِ الذي أخبركِ بأنّكِ سترحلين عني وعن أماكننا وذكرياتنا؟
عتبي عليكِ بقدرِ اشتياقي لكِ يا وجعٌ مستقرٌّ في قلبي حتى أراكِ وأحتضنكِ مرّة أخرى، يا هنايَ وشقائي في هذه الحياة، لا أماتني الله حتى أرى هذا اليوم.
ثُمَّ بعدَ أن رحلَتْ أصبحتُ أسهرُ مع طيفِها أبكي لفراقِها وأدعو أن يجمعني الله بها، أن يجمعني بها بعدَ ثمانِ سنين من فِراقٍ مُضنٍ، ثمانِ سنينٍ أصبحت تسعة وعشرة وها هي تزداد كُلَّ يوم.