سالم أبو الفل

قصة: مسعود عمشوش
منذ الفجر كانت رائحة الفل والكاذي تتسلل إلى أزقة كريتر، تعبر من جهة لحج وتبُّن، وتختلط برائحة الخبز الساخن والنعناع والكزبرة وطماطم مكيراس وموز الكود الناضج والليم الحامض القادم من المسيمير. وكانت السيارات تتدفق نحو السوق المركزي للخضار والفواكه، فيما كان الباعة يفتحون محالهم وأكشاكهم، ويستعدون ليوم جديد من الضجيج والمساومة والروائح.
لكن ذلك الخميس لم يبدأ كغيره. فعند وصولي إلى نهاية شارع المتحف، لمحت في الطرف الجنوبي من موقف سيارات الأجرة، أمام السوق، تجمعاً غير مألوف. كان الناس متحلقين حول شيء ملقى على الأرض، بعضهم يمد عنقه ليرى، وبعضهم يتهامس، وآخرون يكتفون بالوقوف بعيداً كأنهم يخشون أن تلتصق بهم الجريمة.
دفعني الفضول إلى الاقتراب. وحين شققت طريقي بين الأجساد، رأيت سالم أبو الفل. كان ملقيا على ظهره، وقميصه الأبيض ملوثاً ببقعة كبيرة من الدم، بينما تناثرت حوله حبات فل بيضاء بدت، في ذلك الصباح، كأنها نجوم سقطت من سماء قريبة.
عرفته فوراً. فهو الرجل الذي أشتري منه كل خميس عقداً صغيراً من الفل لزوجتي. ولم يكن أحد في عدن تقريباً يعرفه باسمه الحقيقي. الجميع كان يناديه: سالم أبو الفل. وكان يضحك حين يسمع ذلك ويقول: حتى اسمي الحقيقي نسيه الناس.
ثم يضيف: ما داموا يتذكرون الفل، فلا بأس.
كان سالم يجلس كل صباح على كرسي خشبي منخفض، أمامه سلة صغيرة مغطاة بقطعة قماش مبللة حتى تظل الزهور نضرة، وإلى جواره صحن معدني وإبرة رفيعة وخيط طويل. يأخذ حبات الفل واحدة بعد أخرى، يمررها في الخيط بحركة منتظمة، ثم يرفع العقد بين إصبعين ويتأمله في ضوء الصباح.
وكان الناس يقولون إن سالم يستطيع أن يعرف من طلب العقد، ونوع المرأة التي سيضعه حول عنقها. فيضحك ويقول: الفل لا يفضح أحداً.
ثم يسكت لحظة، ويضيف: لكنه يعرف.
في ذلك الصباح كان الفل قد عرف أكثر مما ينبغي. سألت شاباً كان يقف بجانبي:
ــ من قتله؟
نظر إليّ، ثم خفض صوته:
ــ يقولون الحاج صالح الدوح.
ــ ولماذا؟
اقترب مني أكثر وهمس: الليلة الماضية هدده أمام الناس. قال له: إذا لم تخبرني بمن اشترى عقد الفل الذي وصل إلى بنتي عائشة، فسأقتلك.
تطلعت إلى الجثة.
ــ وما قال له سالم؟
ــ سمعنا أنه اعترف بأن العقد من عنده. لكنه قال إنه لا يتذكر من اشتراه.
ــ ومن أين جاء العقد؟
ــ من عند سالم.
ــ هذا ما نعرفه.
-أنا أسأل: من الذي اشتراه؟
هز الشاب رأسه. وقال: لا أحد يعرف.
بعد نحو عشرين دقيقة وصلت سيارة الشرطة، وطوقت المكان وأبعدت الناس عن الجثة. وبينما كان رجال الشرطة يتفحصون الأرض، لاحظ أحدهم شيئاً تحت الطاولة الخشبية التي كان يجلس عليها سالم.
كانت هناك إبرة خياطة مكسورة. وبجوارها خيط مقطوع تتدلى منه ثلاث حبات فل. احتفظ الشرطي بها في كيس صغير. ولم أفهم يومها لماذا اهتم بتلك الأشياء.
**
بعد ذلك بأيام فهمت. كانت حكاية العقد قد بدأت قبل الجريمة بأسبوعين. كانت عائشة، ابنة الحاج صالح الدوح، تعمل في محل للخياطة في أحد أزقة سوق النساء وسط كريتر. فتاة هادئة لا تحب الزينة الكثيرة، تجمع شعرها الأسود خلف رأسها، ولا تضع إلا مشبكاً صغيراً لا يكاد يُرى.
في مساء أحد الأيام، وجدت على طاولتها فوق مكينة الخياطة عقداً صغيراً من الفل. سألت زميلاتها:
ــ من وضعه هنا؟
ولم تجد إجابة. فأخذته ووضعته في حقيبتها. وعندما عادت إلى البيت، سبقتها رائحة الفل وكان من السهل أن يكتشف أبوها أنها تحمل العقد. فتغير وجهه. وقال:
ــ من أعطاك هذا؟
ــ لا أعرف.
ــ لا تعرفين؟
ــ وجدته في المحل.
ظل ينظر إلى العقد طويلاً.
ثم قال: لا تكذبي عليّ.
أقسمت له أنها لا تعرف. وفي تلك الليلة لم ينم الحاج صالح. كان يعرف أن ابنته لم تكن تضع الفل، وأنها لا تشتريه، وأن الرجل الذي يريد أن يرسل لها عقداً لا بد أنه يعرفها. وفي صباح اليوم التالي ذهب يبحث عن مصدره. دلته امرأة من الجيران على سالم أبو الفل. قالت:
ــ هو يعرف كل عقد يخرج من يده.
ذهب الحاج صالح إليه. ووجده يشك عقداً صغيراً. وقف أمامه وقال::
ــ هذا العقد منك؟
رفع سالم عينيه. نظر إلى العقد، ثم إلى الرجل.
ــ نعم.
ــ ولمن بعته؟
عاد سالم إلى إبرته.
ــ لا أتذكر.
ــ لا تتذكر؟
ــ أبيع عشرات العقود كل يوم.
ــ ومن اشترى هذا؟
ــ ربما رجل.
ــ ربما؟
ــ وربما امرأة.
اشتعل وجه الحاج صالح.
ــ لا تلعب معي يا سالم.
رفع سالم رأسه وقال بهدوء: أنا لا ألعب.
ــ ستخبرني باسمه.
ــ لو كنت أعرفه لأخبرتك.
نهض الحاج صالح. اقترب من سالم وقال: ــ سأعود غداً.
ثم أضاف: وإذا لم تخبرني، فلن يكون الأمر مجرد سؤال.
نظر إليه سالم طويلاً. لكنه لم يجب.
**
لم يكن سالم مجرد بائع فل. كان يعرف أسرار السوق أكثر مما يعرفها رجال الشرطة. كان يعرف من يشتري عقداً لزوجته، ومن يشتريه لعرس، ومن يشتريه لامرأة لا ينبغي لأحد أن يعرف اسمها. وكان يقول إن الفل يشبه البحر.
ــ كلاهما يحمل أشياء كثيرة، ولا يعيد منها إلا ما يريد.
وحين كنت أجلس إلى جواره أحياناً، يحكي لي عن عدن القديمة. يقول إن عدن مدينة لم تسأل الأشياء من أين جاءت. السفينة التي تحمل القماش تأخذ منها المدينة ثوباً. والتي تحمل البخور تأخذ منه رائحة. والتي تحمل أغنية تحفظها المقاهي. والتي تحمل زهرة، تضعها النساء في شعورهن. وكان يقول إن الفل جاء من بعيد، لكنه لم يعد غريباً.
ــ الزهرة تشرب من الماء الذي تسقى به.
ثم يرفع عقداً أمام الشمس:
ــ وإذا شربت من ماء تبن، وشمت هواء عدن، صارت عدنية.
كنت أضحك. فيقول:
ــ لا تضحك. الأشياء مثل الناس. المكان الذي تحبه يصبح وطنك.
**
وكان جارنا ناصر الشريف يعرف سالم أيضاً. كان شاباً في أواخر العشرينيات. جاء إلى سالم أبو الفل ذات خميس قبل الحادثة بأسابيع. يرتدي قميصاً أبيض مكويّاً بعناية، ويمشي في السوق كمن جاء لقضاء أمر لا يريد لأحد أن يعرفه. وقف أمام سالم. رفع سالم عينيه.
ــ تريد جُرزاً؟
ــ لا.
ــ عقداً صغيراً؟
ــ ربما.
ابتسم سالم.
ــ إذن أنت لا تعرف ماذا تريد.
قال ناصر:
ــ أعرف.
ــ لكنك لا تعرف كيف تقوله.
صمت ناصر لحظة. ثم قال: ــ أريد فلّاً لامرأة.
أخذ سالم حفنة من الزهور وقلبها في راحة يده.
ــ زوجتك؟
هز ناصر رأسه. وقال: لا.
ــ أختك؟
ــ لا.
ــ أمك؟
ضحك ناصر.
ــ لا.
رفع سالم رأسه.
ــ إذن هي التي جئت من أجلها.
لم يجب ناصر. كان السوق يضج حولهما. رجل يساوم على صندوق طماطم، وامرأة تشتري النعناع، وبائع ينادي على الكاذي، وحافلة صغيرة تعبر الطريق فتثير غباراً خفيفاً.
قال سالم: للمرأة التي تحبها، لا تأخذ الجُرز الكبير. خذ هذا.
ومد إليه عقداً صغيراً من الفل تتخلله حبات قليلة من الكاذي.
سأل ناصر: لماذا الكاذي؟
ابتسم سالم. وقال: لأن الفل يرى نفسه.
ــ والكاذي؟
ــ الكاذي لا يحتاج إلى أن يُرى.
أخذ ناصر العقد. وقبل أن يغادر، سأله:
ــ هل ستعرف لمن أعطيته؟
رفع سالم حاجبه.
ــ إذا أردت أن تعرف، سأعرف.
ــ وكيف؟
ضحك سالم.
ــ أنا أبو الفل.
**
كانت عائشة الدوح تعمل في محل الخياطة حين دخل جارها ناصر الشريف. ووضع العقد أمامها.
قال: إنه لك.
نظرت إليه طويلاً.
ــ أعرف.
ــ لماذا لا تأخذينه؟
ــ لأنني لا أضع الفل.
ــ اليوم فقط.
هزت رأسها. ثم قالت:
ــ أمي تقول إن للفل وقتاً.
ــ وما وقته؟
قالت: عندما يصبح للعقد صاحب.
ضحك ناصر. لكنها لم تضحك. ظل العقد بينهما.
ثم اقتربت منه وشمته. أغمضت عينيها. وقالت:
ــ رائحته مثل صباحات لم نعشها.
لم يفهم ناصر ما قصدته. لكن شيئاً في وجهها أخبره أن تلك الجملة لن تغادره بسهولة.
**
بعد أيام عاد ناصر إلى سالم. كان سالم يشك عقداً جديداً.
قال ناصر: من أين جاء الفل؟
أجاب سالم: من لحج.
ــ أقصد قبل لحج.
توقفت الإبرة. ورفع سالم عينيه.
ــ تسأل عن أجداده؟
ــ نعم.
ابتسم سالم.
ــ يقولون إن القمندان جاء به من الهند.
ثم سكت.
ــ لكن لا تصدق أن الزهرة بقيت هندية.
ــ لماذا؟
رفع سالم العقد أمام الشمس.
ــ لأنها شربت من ماء تبن.
ثم أضاف: وبعد ذلك شمت هواء عدن.
وأعاد العقد إلى حجره.
ــ وكل شيء يشم هواء عدن يتغير.
ظل ناصر صامتاً. كان سالم يراقبه. ثم قال:
ــ بعض الأشياء لا ينبغي أن نعرف أصلها.
ــ لماذا؟
ــ لأننا قد نكتشف أنها صارت لنا أكثر مما هي لأصحابها الأولين.
لم يعرف ناصر يومها لماذا شعر بالخوف.
**
في الليلة السابقة للجريمة، عاد الحاج صالح الدوح إلى سالم. كان غاضباً.
قال له: آخر مرة أسألك. من اشترى العقد؟
قال سالم: ــ لا أعرف.
ــ أنت تكذب.
ــ لا أكذب.
ــ إذا لم تخبرني فسأقتلك.
نظر إليه سالم طويلاً.
ثم قال: ــ يا حاج صالح، أحياناً يكون الجهل أرحم من الحقيقة.
صرخ الحاج صالح: أنا لا أخاف الحقيقة.
قال سالم: ــ بل تخاف ما سيأتي بعدها.
غادر الحاج صالح. وفي الصباح كان سالم ميتاً.
**
أنكر الحاج صالح في الشرطة أنه قتل سالم.
قال: هددته، نعم. كنت غاضباً. لكنني لم أقتله.
سأله المحقق: أين كنت ليلة الخميس؟
ذكر مكاناً وشهوداً. بدا أن لديه ما يكفي من الأدلة على براءته. لكن الشرطة لم تتوقف عنده. عاد المحقق إلى السوق. سأل الباعة عن سالم. سأل عن العقد. سأل عن عائشة. ثم عثر على خيط صغير لم ينتبه إليه أحد. كان أحد الباعة قد رأى ناصر الشريف بالقرب من موقف السيارات فجر الخميس. وقال إنه لم يبدُ كمن جاء لشراء الفل. كان يحمل شيئاً تحت قميصه. وفي اليوم التالي اختفى.
فتش رجال الشرطة المكان الذي كان يجلس فيه ناصر، فعثروا على ثوب ملطخ بآثار دم صغيرة. لكن الأهم كان شيئاً آخر. كانت في جيبه ثلاث حبات فل. الحبات الثلاث نفسها التي كانت قد سقطت من عقد سالم حين وجدوه مقتولاً.
وحين واجهته الشرطة، أنكر. ثم أنكر مرة ثانية. ثم صمت. وأخيراً قال:
ــ سالم كان سيخبر الحاج صالح.
ــ ماذا كان سيخبره؟
لم يجب. قال المحقق: من اشترى العقد؟
رفع ناصر رأسه. كانت عيناه ممتلئتين بشيء بين الخوف والندم.
قال: لم أكن أريد قتله.
ــ ماذا حدث؟
قال: ذهبت إليه لأطلب منه أن يصمت.
ــ ولماذا؟
ــ لأنه عرف.
ــ ماذا عرف؟
ظل صامتاً. ثم قال: ــ عرف أنني أنا الذي اشتريت العقد.
ــ وعرف أنك أعطيته لعائشة؟
هز رأسه.
ــ نعم.
ــ ولماذا خفت؟
خفض ناصر عينيه.
ــ لأن الحاج صالح كان سيقتلني.
ــ فقتلته أنت؟
أغمض عينيه.
ــ لم أكن أريد أن يموت.
ــ لكنك طعنته.
قال: عندما أمسك بي، دفعتُه. ثم رأيت الدم. وبعدها لم أعد أفكر.
صمت المحقق قليلاً.
ثم قال: ــ لماذا لم تهرب؟
أجاب ناصر: هربت.
ــ ثم عدت؟
ــ نعم.
ــ لماذا؟
رفع ناصر عينيه. وقال: ـ لأن رائحة الفل بقيت في يدي.
**
مرت سنوات. وبسرعة تغيرت عدن. كثرت السيارات، وتغيرت السوق، واختفت وجوه كثيرة. تبدلت المحال، وارتفعت عمارات اسمنتية شوهت جمال كريتر، وضاقت بعض الطرق التي كانت تتسع لأحلام الصبا. وغاب من غاب. وذات صباح ذهبت إلى جولة الفل – التي أصبح بعضهم يسميها جولة السفينة-، فلم أجد الكرسي الخشبي. لم أجد الإبرة. لم أجد الصحن المعدني. ولم أجد الرجل الذي كان يقول: الفل لا يفضح أحداً… لكنه يعرف.
جلست قليلاً. وتأملت؛ كانت الجولة أكثر ازدحاماً، لكنها أقل رائحة. وعدن التي أخذت من الهند زهرة، ومن لحج ماءها، ومن البحر طريقها، ثم نسيت أسماء الذين حملوا الزهرة إليها، ظلت محتفظة بالرائحة. رائحة الفل والبخور العدني في الجولة والسيلة، ورائحة حلاوة اللبن في الشارع الطويل. كأن المدينة، بعد كل ما فقدته، لم تجد طريقة أخرى لتتذكر نفسها، غير الروائح.