سر إبطاء الشيخوخة.. ماذا يخفي الحمض النووي لأقدم شجرة على الأرض؟
كريترنيوز /متابعات /وائل زكير
في اكتشاف علمي لافت قد يفتح آفاقا جديدة في فهم الشيخوخة والحياة، تمكن فريق من الباحثين من تحليل الحمض النووي لشجرة الصنوبر المعروفة باسم صنوبر بريستل كون العظيم (Great Basin bristlecone pine)، وهي أقدم شجرة على وجه الأرض، إذ يصل عمر بعضها إلى أكثر من 5,000 عام، أي أنها كانت موجودة قبل بناء أهرامات مصر القديمة.
الدراسة، التي قادتها جامعة كاليفورنيا في ديفيس ونُشرت في مجلة علمية متخصصة، كشفت عن جينوم بالغ الضخامة يبلغ نحو 23.8 مليار زوج قاعدي، أي ما يقارب ثمانية أضعاف حجم الجينوم البشري. ورغم هذا الحجم الهائل، فإن عدد الجينات المسؤولة عن تصنيع البروتينات لا يتجاوز 21,364 جينًا فقط، بينما يتكون الجزء الأكبر من الحمض النووي من تسلسلات متكررة يُطلق عليها أحيانًا “DNA غير المشفر”، والتي تراكمت عبر ملايين السنين دون أن تُسبب ضررًا واضحًا للشجرة.
ما أثار اهتمام العلماء هو قدرة هذه الشجرة على البقاء آلاف السنين دون أن تظهر عليها علامات الشيخوخة البيولوجية المعروفة لدى معظم الكائنات الحية. فقد لاحظ الباحثون أن هناك مؤشرات جينية قد تساهم في هذه القدرة الاستثنائية، من بينها وجود جينات قوية مرتبطة بمقاومة الأمراض، إضافة إلى امتلاكها تيلوميرات أطول من تلك الموجودة في أنواع أخرى من الصنوبريات، وهو ما يرتبط عادةً بإبطاء عملية الشيخوخة على المستوى الخلوي. ومع ذلك، شدد العلماء على أن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود آلية مباشرة تمنح الشجرة هذا العمر الطويل.
وقد شكّل تحليل هذا الجينوم تحديًا تقنيًا كبيرًا نظرًا لضخامته وتعقيده، حيث احتاج الباحثون إلى تقنيات متقدمة جدًا في تسلسل الحمض النووي لتجميعه بشكل كامل ودقيق. ووصف العلماء هذه العملية بأنها من أصعب المشاريع في علم الجينوم الحديث، خاصة بسبب كثرة التسلسلات المتكررة التي تشكل الجزء الأكبر من المادة الوراثية.
ورغم أن الهدف من الدراسة ليس إثبات وجود سر للخلود، فإن النتائج توفر أساسًا علميًا مهمًا لفهم كيفية بقاء بعض الكائنات الحية لآلاف السنين دون تدهور داخلي واضح. كما يمكن أن تساعد هذه البيانات في أبحاث الشيخوخة البشرية، ودراسة مقاومة الأمراض، وحتى تطوير استراتيجيات أفضل للحفاظ على الغابات في مواجهة التغيرات المناخية.
تفتح الدراسة نافذة لفهم أعمق لكيفية قدرة بعض الكائنات على مقاومة الزمن والبقاء لآلاف السنين. فجينوم هذه الشجرة العملاقة لا يقدم إجابات نهائية، لكنه يمنح العلماء خريطة بيولوجية جديدة قد تساعد مستقبلًا في تطوير أبحاث الشيخوخة، وحماية الطبيعة، وربما تحسين صحة الإنسان. وبينما يبقى السر الكامل بعيدا، فإن المؤكد أن الطبيعة ما زالت تخبئ الكثير من الدروس التي لم نفهمها بعد.
أهمية علم الجينوم
لا يقتصر أهمية علم الجينوم على أبحاث إطالة العمر فقط، بل يمتد ليشمل مجالات أوسع تتعلق بحماية الطبيعة وفهم كيفية تكيف الكائنات مع بيئاتها. فعلى الرغم من أن شجرة الصنوبر بريستل كون ليست مدرجة حاليًا ضمن الأنواع المهددة بالانقراض، إلا أن بعض أفرادها تأثروا في السنوات الأخيرة بارتفاع درجات الحرارة والجفاف وانتشار حشرات اللحاء.
وتشير الباحثة كونستانس ميلار من دائرة الغابات الأمريكية إلى أن هذه الأشجار في جبال وايت ماونتينز تمكنت من الصمود أمام ظروف مناخية قاسية استمرت لآلاف السنين، منذ نهاية العصر الجليدي الأخير قبل نحو 11 ألف عام.
ومن هنا، يوفر الجينوم المرجعي لهذه الشجرة أداة علمية مهمة تساعد الباحثين على فهم كيفية استجابة الأنواع المختلفة للتغيرات البيئية على المستوى الوراثي، وتحديد المجموعات التي تمتلك صفات تجعلها أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المستقبلية. ومن المتوقع أن لا يقتصر استخدام هذا الجينوم على علماء الغابات وحماية البيئة، بل أن يمتد ليشمل مجالات بحثية أوسع تهدف إلى فهم العوامل التي تتحكم في طول العمر والاستمرارية في مختلف الكائنات الحية.