فوضى الربيع العربي.. تبعات مدمرة لاتزال حية تعصف ببعض الأسر العربية

كريترنيوز / تقرير / فتحية علي
مرت سنوات منذ تساقطت الأوراق وانقشعت الأقنعة، لطالما تربع المتربصون على منابر فوضى الربيع العربي وسرقوا ما سميت حينه بالثورة. قلة قليلة هم السرق ولكن حصدوا الثمار كلها. حصدوا ملايين الدولارات والمناصب. رموا بالشعارات الثورية والإنسانية التي كانوا يتغنون بها على المنابر وراء ظهورهم. مع الوقت تغيرت نظرتهم ومعها تغيرت قواعد اللعبة وبات تشكيل مليشيات تحمي ممالكهم العائلية الخاصة بهم المنفصلة تماماً عن الشعب وعن معاناته. شغلهم الشاغل التسابق على الارتماء في أحضان الخارج والارتهان له لا على الشعب. وباتوا اليوم هم المشكلة بعينها. وحضرت المقولة الشهيرة القائلة: “لا أعلم من باع الوطن ولكن رأيت من دفع الثمن”.
المواطن العربي الشريف الكادح هو من دفع الثمن. آثار كارثية تكبدتها ولاتزال تتكبدها الأسرة ببعض الأقطار العربية، ممن أصابها طاعون الربيع العربي (تونس، مصر، اليمن، سوريا ليبيا، السودان)، وكادت القائمة أن تتوسع لولا لطف الله وحفظه. ملايين الأسر تشردت من ديارها وقتل وجرح مئات الألوف أغلبهم أطفال ونساء. أغلب الأسر تعاني حتى اللحظة مرارة النزوح وما رافقه من جوع وانعدام الأمن الغذائي والأمني والصحي والتعليمي، وارتفاع حالات الطلاق والجهل والمرض والانحراف والاغتصاب والجريمة المنظمة، وتفكك النسيج الاجتماعي.
إلى جانب بيع وترويج المخدرات والأسلحة والاتجار بالأعضاء البشرية. تمرد بعض الشباب عن أسرهم والبعض تم استدراجه بالمال من قبل العصابات الإجرامية، والبعض سقط في مستنقع الإرهاب، وكانت الأسرة هي الضحية، هي من تدفع الثمن حتى اللحظة، في ظل الغياب أو التغييب شبه التام للدولة. وصدقت مقولة أحدهم : “البقاء تحت حكم حاكم ظالم خير من البقاء بلا حاكم”.
– مليشيات وتنظيمات إجرامية وإرهابية وجريمة منظمة
تزامنا مع ما سُمي بـ”الربيع العربي” وغياب الدولة، فتحت السجون وهرب المجرمون والمتطرفون، ونجحوا في تشكيل عصابات ومليشيات مسلحة. وتحولت دول الربيع العربي إلى ساحات مفتوحة للقتال والمعارك الطاحنة.
وبدلاً من الحرية والديمقراطية وتحسن الوضع المعيشي والخدمي التي خرجوا لأجله، وكانوا يطمحون للوصول إليه، تفاجأت شعوب المنطقة بانهيار ما تبقى من الدولة وظهور جماعات مسلحة إجرامية وإرهابية بشكل مرعب، خطفت الأضواء وأمسكت بزمام الأمور، ملأت الفراغ السياسي والأمني الذي تركته الدولة. تحولت أغلب المدن إلى ثكنات تسكنها الأشباح، دمرت البنية التحتية وتوقف أغلب مؤسساتها التعليمية والصحية، وانعدمت الكهرباء والمياه، والقائمة تطول.
وتحول الأمن إلى خوف والاستقرار إلى فوضى، وانعدمت سُبل وأسباب العيش، وانتشر الفساد بكافة أشكاله. انهارت الدولة ومعها انهار كل شيء، ولم يعد أمام المواطن الشريف غير الرحيل أو البقاء منكوس الجبين.
وكشفت بيانات المكتب العربي للشرطة الجنائية عن رصد 76 تنظيماً وحركة إرهابية، وعن وجود ما يقرب من 1700 ميليشيا مسلحة في ليبيا وحدها. كما كشفت تقارير أخرى عن نزوح أكثر من 5 ملايين أسرة من مساكنها في سوريا وحدها. وفي المقابل تم إعادة استعمار المناطق المسماة (محررة) من قبل قوى خارجية. وأصبحت بعض الأسر العربية قابعة بين مطرقة النزوح وسندان الاستعمار الخارجي والصراع الداخلي.
– فوضى خلاقة لاستغفال الشعوب والضرب على أوتار حساسة
وبحسب مراجع، فإن نظرية الفوضى الخلاقة تشير إلى أن الأحداث الفوضوية، مثل ثورات الربيع العربي، يتم التخطيط لها مسبقًا من قبل جهات نافذة قوية لخلق واقع جديد يتماشى مع مصالحها. تم استغلال حاجة الشعوب المطحونة الطامحة في الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة. ركبت القوى المتربصة على موجة الشعوب، وباشرت بسحب البساط من تحتها. حرفت البوصلة لصالحها لتحقيق أجندتها، ولإعادة رسم خارطة المنطقة وفقاً ومصالحها، بغض النظر عن مصلحة الشعب أو التبعات الكارثية المترتبة. في المقابل ظلت معاناة المواطن العربي تراوح مكانها، بل تضاعفت وفتحت أمامه آفاق قاتمة ومستقبل مجهول. ولاتزال الأسرة تعاني ويلات الفوضى والحرب والدمار والنزوح حتى الساعة.
باختصار.. خرجت الشعوب بطريقة عفوية لطرح معاناتها أمام العالم لعلها تعود بشيء ينفعها ويحسن من وضعها المعيشي والخدمي، وتنال أكبر قدر من الحرية والانفتاح على العالم، ولكنها لم تصل إلى مبتغاها طالما قوى أخرى قوية داخلية وخارجية كانت متربصة، انقضت بقوة بالسلاح والمال واستحوذت على كل شيء وباتت هي المستفيدة، فيما ظلت الشعوب تقاسي وتعاني مرارة التبعات الكارثية حتى اللحظة.
ختاماً..
رغم أن الصورة واضحة عن التأثير المدمر لثورات الربيع العربي على الأسرة وعلى المجتمع ببعض الاقطار العربية، إلا أن الأمل لايزال معقوداً في الله ثم في الأخيار من أبناء هذه الأمة، في إصلاح ما أفسده الطغاة والجبابرة. كما يتطلب إصلاح الوضع ضرورة تقديم تنازلات أخوية ووضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات، والتكاتف لتجاوز تلك التحديات، وإعادة بناء المجتمعات العربية على أسس العدالة والمساواة، وتحقيق الاستقرار والأمان، وإعادة للأسرة العربية كرامتها وحريتها، وتوفير الحد المنطقي من متطلبات العيش الكريم يغنيها عن النزول إلى الشارع مجدداً.