الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي .. محطة مفصلية لاستعادة القرار الجنوبي

كتب: د. محمد الزعوري
تهل علينا في الرابع من مايو 2026م الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي الذي أسس بموجبه المجلس الانتقالي الجنوبي، وتفويض الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي لقيادة المرحلة الحساسة والدقيقة في تاريخ شعبنا الجنوبي ، ويمكن القول إن هذه الذكرى تمثل واحدة من المحطات المفصلية في تاريخ الجنوب العربي المعاصر، حيث لم تكن مجرد إعلان كيان سياسي، بل تعبيرًا عن إرادة شعبية متراكمة سعت إلى استعادة القرار الجنوبي وصياغة مشروع وطني واضح المعالم . لقد جاء تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في سياق استثنائي ، حمل في طياته تطلعات شعب الجنوب العربي نحو تمثيل سياسي يعكس قضاياه ويعبّر عن هويته وتطلعاته السياسية المشروعة .
ومنذ اللحظة الأولى لتفويض المناضل عيدروس الزُبيدي لرئاسة المجلس، بدا أن هناك تحولًا نوعيًا في مسار العمل السياسي الجنوبي، حيث تركزت الجهود على توحيد الصف، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة، والتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية بالشراكة مع التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية . لم يكن الطريق سهلًا، فقد واجه المجلس ضغوطًا سياسية وعسكرية واقتصادية قاهرة، إلا أنه استطاع أن يحافظ على تماسكه وحضوره كفاعل رئيسي في المشهد برغم التحديات التي واجهته منذ اللحظات الأولى لإعلانه .
خلال تسع سنوات مرّ المجلس الانتقالي الجنوبي بمحطات متعددة اكسبته زخما سياسيا وشعبيا وحضورا محليا واقليميا ودوليا مؤثرا ، في ظل خوضه لمعركة وجودية مع القوى التقليدية اليمنية بمكوناتها السياسية والقبلية وفي مقدمتها المليشيات الحوثية والتنظيمات الارهابية المتطرفة لكنه ظل محافظًا على ثبات توجهه ، متمسكا بالثوابت الوطنية الجنوبية المعلنة والمتمثلة باستعادة الدولة الجنوبية حرة كاملة السيادة ، والسعي لتحقيق تطلعات شعبنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وبناء مؤسسات الدولة الفيدرالية ، واقامة دولة مدنية حديثة تؤسس لحياة كريمة وعادلة دون إقصاء او تهميش لكافة شرائح المجتمع الجنوبي ، وخلال مسيرته الظافرة بالمنجزات أسهم المجلس الانتقالي كمكون جنوبي جامع في خلق حالة من التوازن سياسيا و تنظيميا وإداريا ، بعد سنوات من الكفاح والنضال المستميت الذي خاضه شعبنا ، ونجح في إيصال الصوت الجنوبي إلى المحافل الإقليمية والدولية بكل حنكة واقتدار .
إن الذكرى التاسعة لا تمثل مناسبة للاحتفاء فقط ، بل فرصة للمراجعة والتقييم الدقيق للماضي ، والتهيئة للمستقبل بكثير من الحرص والتأني والحكمة ، من خلال إعادة ضبط الايقاع على ترددات المصالح المشتركة .. فالتحديات لا تزال قائمة ، سواء على مستوى تحسين الأداء المؤسسي ، أو تعزيز الشفافية، أو توسيع قاعدة الشراكة الوطنية .. كما أن المرحلة القادمة تتطلب رؤية أكثر نضجًا وموثوقية تعزز القدرة على موازنة الطموح الميداني بالواقعية السياسية المتأثرة بشبكة المصالح في كافة الابعاد المحلية والاقليمية والدولية ، ما يتطلب العمل الحثيث على تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض سياسيا وعسكريا واجتماعيا ، والدفع بالشعب الجنوبي وطاقاته الخلاقة والمبدعة لحماية مكتسباته التي تحققت في السنوات الماضية ، وصون التضحيات الجسام التي قدمها في محراب حريته وكرامته ، وتعزيز حضوره الشعبي وتبني قضاياه وإعادة بناء التحالفات بما يخدم شعبنا وقضيته دون تفريط او افراط .
وفي خضم هذه المناسبة ندعوا شعبنا الجنوبي وقواه الحية لإحياء هذه الذكرى الغالية على قلوبنا وخلق حالة اصطفاف وطني جنوبي جديد قائم على الحوار الجنوبي الجنوبي ، الحوار الذي يجمع ولا يفرق ، ويعزز قيم الشفافية ونبذ المناطقة والفرقة ، ويقوي روابط التسامح والتصالح ، ويجسد وحدة الكلمة والمصير ، ويؤسس أرضية صلبة للوقوف صفا متينا متماسكا لإفشال أي مخططات لوأد القضية وحرف مسار المشروع التحرري الجنوبي بانتهاج سياسة تفريخ مكونات كرتونية هلامية لخلط الأوراق والمتاجرة بقضيتنا العادلة .. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الشعب وقيادته على امتصاص الصدمات وتحويل التفويض الشعبي إلى مشروع متكامل قابل للاستمرار ، يعزز للاستقرار، ويحقق تطلعات الشعب السياسية المشروعة في كافة المحافظات ، ويؤسس لمستقبل أكثر وضوحًا .. فالذكرى التاسعة ليست نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب وعيًا أعمق، وعملًا أكثر اتساقًا مع حجم التحديات والآمال .
والله الموفق
د. محمد الزعوري
20 ابريل 2026م