مقالات وآراء

4 مايو… حين قال الجنوب كلمته وصنع معادلته السياسية

بقلم: عصام عبده علي، نائب رئيس الجمعية الوطنية

 

في الرابع من مايو 2017، لم تكن عدن على موعد مع فعالية عابرة، بل مع لحظة فاصلة في تاريخ الجنوب؛ لحظة تحوّل فيها المزاج الشعبي إلى تفويض سياسي واضح، تُوِّج بإعلان عدن التاريخي وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة القائد عيدروس قاسم الزبيدي، بوصفه حاملاً للقضية الجنوبية ومعبّراً عن تطلعات شعب يسعى لاستعادة دولته.

 

منذ ذلك اليوم، أصبح هذا التفويض الشعبي حجر الزاوية في المشهد السياسي الجنوبي. فالمجلس لم يكن نتاج قرار فوقي أو تسوية نخبوية، بل جاء استجابة لإرادة شعبية واسعة. ولهذا، فإن أي حديث عن “حل المجلس” بقرارات منفردة يتجاهل هذه الحقيقة الأساسية، ويؤسس لسابقة سياسية غير معهودة، حيث يُراد مصادرة قرار شعبي بإرادة قلة، في تعارض واضح مع أبسط قواعد العمل السياسي.

 

 

بين الاستهداف وتعزيز الحضور:

شهدت السنوات الماضية محاولات متعددة لاستهداف المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية، خصوصاً في حضرموت وغيرها. غير أن هذه المحاولات، بدل أن تُضعف المجلس، أسهمت في تعزيز حضوره الشعبي والسياسي. فالقضية هنا لم تعد مرتبطة بكيان سياسي فقط، بل أصبحت تعبيراً عن مشروع وطني جنوبي يتجاوز الأشخاص والظروف.

 

إن استهداف القوات الجنوبية لا يُقرأ فقط في سياق الصراع على النفوذ، بل يتقاطع مع محاولات أوسع لإضعاف القضية الجنوبية ذاتها ومنعها من الوصول إلى هدفها المعلن: استعادة الدولة الجنوبية المستقلة وعاصمتها عدن.

 

واقع تغيّر… ومعادلات لا تعود للوراء:

ثمة من يحاول إعادة إنتاج واقع ما قبل عام 1994، متجاهلاً أن الجنوب اليوم ليس كما كان بالأمس. فالمعادلة تغيرت، والوعي الشعبي تعزز، والقدرة على فرض الإرادة باتت أكثر وضوحاً. إن فرض أي واقع بالقوة أو تجاهل الإرادة الشعبية لن يقود إلى استقرار، بل قد يفتح أبواب صراعات أوسع، لن تقف آثارها عند حدود الجنوب، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره.

 

تفريخ المكونات… أداة لإضعاف الهدف:

من أخطر التحديات التي تواجه القضية الجنوبية اليوم هو ما يمكن تسميته بـ“تفريخ المكونات”، حيث تُصنع كيانات موازية بهدف تشتيت الصف الجنوبي وإضعاف مركز القرار. هذه السياسة، سواء جاءت بدوافع داخلية أو بدعم خارجي، لا تخدم إلا إطالة أمد الصراع وإضعاف المشروع الوطني الجامع، وفي المقابل، يظل توحيد الصف الجنوبي ضرورة ملحّة، ليس فقط لمواجهة التحديات، بل لحماية جوهر القضية من التمييع أو الانحراف عن مسارها.

 

تداخلات إقليمية وأسئلة مفتوحة:

لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن الدور الإقليمي. فالتباينات في المواقف، والتأخر في فتح مسارات حوار حقيقي، تطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأدوار والأهداف. كما أن بقاء وفد المجلس الانتقالي في الخارج لفترات طويلة دون وضوح في مسار الحوار يفتح الباب لتفسيرات متعددة، ويزيد من حالة القلق الشعبي.

 

أخيراً : لحظة مسؤولية تاريخية

إن ذكرى 4 مايو ليست مجرد استعادة لحدث، بل تذكير بمسؤولية. مسؤولية الحفاظ على التفويض الشعبي، وصون وحدة الصف، وعدم الانجرار خلف مشاريع التقسيم أو الإضعاف.

 

اليوم، يقف الجنوبيون أمام اختبار جديد: إما التمسك بهدفهم الجامع في استعادة دولتهم، أو الوقوع في فخ التشتت الذي يخدم خصومهم. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأهم أن الشعوب التي تمتلك إرادة واضحة، قادرة في النهاية على فرض خياراتها.

 

وفي هذا السياق، تظل عدن – التي انطلقت منها شرارة التفويض – رمزاً سياسياً ومعنوياً لمسار لم ينتهِ بعد، بل ما زال مفتوحاً على احتمالات تُصنع بإرادة الناس ووحدة كلمتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى