مقالات وآراء

حكومتنا الرشيدة لا تؤمن بفكرة التخصصات والكفاءات على أرض الواقع… فهل نهاجر؟

كتب: أمين الأميني

من أكثر الأسئلة إيلاماً التي تتردد على ألسنة الشباب اليوم: ما جدوى الدراسة والتأهيل واكتساب الخبرات إذا كانت الكفاءة ليست هي المعيار الحقيقي للحصول على الفرص؟ وما قيمة التخصص إذا كان الواقع العملي لا يعترف به إلا في حدود ضيقة؟
لسنوات طويلة استثمر آلاف الشباب أعمارهم في الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب، على أمل أن يجدوا مساحة لخدمة أوطانهم وتحقيق ذواتهم. لكن كثيراً منهم اصطدموا بواقع مختلف؛ واقع تُقدَّم فيه اعتبارات أخرى على الكفاءة والخبرة والتخصص، فتضيع الفرص وتُهدر الطاقات ويشعر أصحاب المؤهلات بأنهم غرباء في وطنهم.
ليست المشكلة في وجود أخطاء فردية هنا أو هناك، فذلك يحدث في كل دول العالم، وإنما في تحول الاستثناء إلى ظاهرة، وفي شعور المواطن بأن التخصص لم يعد طريقاً مضموناً للوصول إلى المكان الذي يستحقه الإنسان بجهده وعلمه.
عندما يُهمَّش أصحاب الخبرة، وتُسند بعض المواقع إلى غير المؤهلين لها، فإن الخاسر الحقيقي ليس الفرد وحده، بل المؤسسة والدولة والمجتمع بأكمله. فالتنمية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعقول القادرة على التخطيط والإدارة والتنفيذ.
ولعل أخطر ما يترتب على هذا الواقع هو تنامي الرغبة في الهجرة. فالشاب الذي يشعر أن وطنه لا يحتاج إلى علمه، وأن سنوات تعبه لم تمنحه فرصة عادلة، يبدأ بالنظر إلى الخارج بحثاً عن بيئة تحترم تخصصه وتكافئ اجتهاده. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل نهاجر؟
الهجرة ليست حلماً جميلاً دائماً كما يتصور البعض، فهي تحمل معها الغربة ومشقة البداية والابتعاد عن الأهل والوطن. لكنها تصبح خياراً مطروحاً عندما يغيب الأمل في الحصول على فرصة عادلة داخل البلاد.
إن المطلوب ليس دفع الكفاءات إلى الرحيل، بل خلق بيئة تجعلها تتمسك بالبقاء. المطلوب أن يكون التخصص معياراً حقيقياً للتوظيف والترقية وإسناد المسؤوليات، وأن يشعر المواطن بأن جهده العلمي له قيمة، وأن المؤسسات تبحث عن الكفاءة قبل أي اعتبار آخر.
الأوطان القوية لا تُقاس بعدد المباني أو الشعارات، بل بقدرتها على استثمار عقول أبنائها. وكل كفاءة تغادر لأنها لم تجد فرصة تستحقها هي خسارة وطنية قبل أن تكون خسارة شخصية.
ويبقى السؤال مطروحاً أمام الجميع: إذا لم يجد أصحاب التخصصات والكفاءات مكانهم الطبيعي في وطنهم، فهل نلومهم إذا فكروا في الهجرة؟

زر الذهاب إلى الأعلى