مقالات وآراء

خطاب “المتوائمون مع الرياض”.. عندما تتعدد الرسائل وتغيب الوجهة

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج

في السياسة، لا تُقاس الخطابات ببلاغتها وحدها، بل بمدى اتساقها مع مرجعية واحدة واضحة تعكس طبيعة المشروع السياسي المقترح. أما حين تتعدد الرسائل بتعدد المنصات والجمهور، فإن ذلك يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول طبيعة الوجهة النهائية لذلك المشروع.

في هذا السياق، يبرز خطاب “المتوائمون مع الرياض” كنموذج سياسي يقدم قراءات متباينة تبعًا للسياق الذي يُطرح فيه. ففي اللقاءات التي تتم في الرياض، غالبًا ما يُقدَّم خطاب يقوم على استعادة الدولة اليمنية، ودعم الشرعية، وهزيمة الحوثي، وعودة مؤسسات الحكومة إلى الداخل، وهي مفردات تنتمي بوضوح إلى إطار الدولة اليمنية الجامعة.

لكن في سياقات أخرى، خصوصًا عند مخاطبة الجمهور الجنوبي، يتجه الخطاب نفسه إلى مفردات مختلفة تمامًا، تتحدث عن “استعادة القرار” و“بناء الدولة” و“الشراكة والتوافق”، وهي مفردات تحمل دلالة سياسية مرتبطة بمشروع كيان جنوبي مستقل أو شبه مستقل، دون أن يتم تقديم تصور واضح للعلاقة بين هذا المشروع وبين الإطار اليمني الذي يتم التحدث عنه في الرياض.

وهنا يبرز الإشكال المركزي: أي مشروع سياسي يتم تقديمه فعليًا؟

فإذا كان الهدف هو استعادة الدولة اليمنية، فإن الحديث عن بناء دولة جنوبية يحتاج إلى توضيح موقعه داخل هذا المشروع. وإذا كان الاتجاه هو بناء كيان جنوبي مستقل، فإن الخطاب المرتبط بالشرعية اليمنية واستعادة مؤسساتها يصبح بحاجة إلى تحديد دقيق.

ويزداد هذا الالتباس عندما يتم تقديم الحوار الجنوبي–الجنوبي باعتباره مساحة للتوافق والشراكة، بينما يتم في الوقت ذاته الإشارة إلى أن “القرار قد حُسم” وأن “الدولة قيد البناء”. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل الحوار مساحة مفتوحة لإعادة تعريف الخيارات، أم آلية لإدارة خيار سياسي تم تحديده مسبقًا؟

كما أن الإصرار على خطاب “الشراكة والتوافق” يبدو في ظاهره دعوة إلى التعددية السياسية، لكنه يحتاج إلى اختبار عملي في ضوء طبيعة النتائج التي يتم التلميح إليها مسبقًا. فالشراكة لا تُقاس بجمع الأطراف حول طاولة واحدة، بل بمدى قدرتها على إنتاج خيارات مفتوحة قابلة للنقاش والتعديل.

إن جوهر الإشكال في خطاب “المتوائمون مع الرياض” لا يكمن في اختلاف الطروحات بحد ذاته، بل في غياب مرجعية واحدة ثابتة يمكن من خلالها فهم اتجاه المشروع السياسي. فمرة يُقدَّم كجزء من مشروع الدولة اليمنية، ومرة كمسار نحو كيان جنوبي مستقل، دون توضيح العلاقة البنيوية بين المسارين.

إن هذا التعدد في الرسائل قد يمنح الخطاب مرونة سياسية في الحضور، لكنه في المقابل يضعف وضوح الوجهة النهائية، ويجعل المتلقي أمام سؤال مفتوح: هل نحن أمام مشروع واحد يتدرج في مراحل، أم أمام مشاريع متعددة يتم تقديمها بحسب طبيعة الجمهور والسياق؟

وفي النهاية، تبقى المعضلة الأساسية في الخطاب السياسي ليست في تعدد الرؤى، بل في قدرة هذه الرؤى على الالتقاء داخل إطار واضح يحدد الاتجاه النهائي. فالثقة السياسية لا تُبنى على تعدد الخطابات، بل على وضوح الطريق الذي تقود إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى