كيف قايضت الرياض أمن الجنوب العربي بصفقة غير متكافئة؟

بقلم: جاسم الجريّد
في أبجديات السياسة والتحالفات الاستراتيجية، تُقاس قوة الدول بمدى التزامها بحماية أمن حلفائها وحفظ تضحياتهم. لكن المشهد السياسي الحالي، المتمثل في كواليس صفقة تبادل الأسرى الأخيرة مع ميليشيا الحوثي، يكشف عن تراجع استراتيجي مقلق في أداء صانع القرار في الرياض. إن ما يجري لا يمكن تصنيفه كتسوية عادلة لإنهاء ملف إنساني، بل هو خلل فادح في موازين التفاوض، يعكس تخاذلاً واضحاً تجاه دماء وحقوق أبناء الجنوب العربي، ويثير تساؤلات عميقة حول جدوى إدارة ملفات الحرب بهذه الطريقة.
لقد سعت الآلة الإعلامية لتسويق هذا التنازل المهين تحت غطاء دبلوماسي برّاق. فكما وثّقت التقارير الإخبارية، ومنها التقرير الذي نشرته شبكة “الجزيرة” في 14 مايو 2026 تحت عنوان “توقيع أكبر صفقة تبادل أسرى”، جرت محاولة حثيثة لتلميع هذا الاتفاق وتصديره للمجتمع الدولي كإنجاز وتتويج لجهود السلام. تتجلى هذه المفارقة بوضوح ومأساوية في الصورة التذكارية لتوقيع الاتفاق؛ حيث يقف المبعوث الأممي “هانس غروندبرغ” (Hans Grundberg) في صدر المشهد واضعاً يده فوق أيدي المتفاوضين لتوثيق المصافحة، بينما يقف المسؤول السعودي على الجانب الأيمن مراقباً ومشاركاً في هذا “الاحتفال”. إن هذا المشهد الدبلوماسي الذي تتصدره ابتسامات الأمم المتحدة ومباركة ممثلي التحالف، يتناقض تماماً مع الكارثة الأمنية والسياسية التي تم تمريرها على الأرض، حيث تم تغليف التنازلات السيادية وتسليم قتلة أبناء الجنوب بغلاف المبادرات الإنسانية الكاذبة.
تتجلى خطورة هذه الصفقة في انعدام التكافؤ الميداني والأمني؛ ففي مقابل استعادة 7 جنود وقعوا في الأسر خلال سير العمليات العسكرية، وافقت الرياض على إطلاق سراح خلية مخابراتية حوثية شديدة الخطورة. نحن لا نتحدث هنا عن مقاتلين عاديين في جبهات القتال، بل عن عناصر أمنية متورطة بشكل مباشر في تخطيط وتنفيذ عمليات اغتيال وإرهاب نوعية ضربت عمق استقرار الجنوب. تشمل هذه السجلات مقتل القائد العسكري البارز جواس، واستهداف موكب محافظ عدن أحمد لملس، والعملية المروعة التي أودت بحياة الصحفي محمود العتمي وزوجته الحامل رشا الحرازي، ناهيك عن تسليم مهرب دولي للأسلحة والمخدرات كان قد سُلم للسلطات المحلية عبر القوات الأمريكية. إن تمرير صفقة بهذا الحجم والإفراج عن هؤلاء، يمثل تفريطاً صريحاً بالأمن القومي الجنوبي واستهانة بتضحيات الحلفاء الذين ثبتوا على الأرض.
وما يزيد من قتامة المشهد، هو طريقة إدارة الميليشيا لملف التفاوض، والتي عكست محاولة ناجحة لفرض الإملاءات وتوجيه البوصلة. فقد كشفت البلاغات الرسمية الواردة من مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الحوثيين أجهضوا الترتيبات اللوجستية وعرقلوا هبوط طائرات الصليب الأحمر في موعدها المحدد. لم يكن هذا التعطيل لأسباب فنية، بل لفرض شروط سياسية وإظهار تفوق تفاوضي؛ حيث اشترطت الميليشيا إرجاء الصفقة حتى عودة وفدها من طهران، عقب مشاركته في مراسم عزاء علي خامنئي. لقد وضعت الميليشيا التزاماتها الأيديولوجية تجاه طهران كأولوية مطلقة، وأجبرت الأطراف الأخرى على الانتظار، مما يبرز قبولاً غير مبرر بسياسة فرض الأمر الواقع، وارتهاناً سياسياً يضعف من الموقف السيادي للتحالف.
أمام هذا التجاوز السياسي والأمني، كان الموقف الحازم لأبناء الجنوب حتمياً ومبرراً. لقد أعلنت قبائل الجنوب، وفي طليعتها قبائل ردفان وشبوة، إلى جانب القيادات الجنوبية الفاعلة، رفضها القاطع لتمضية هذه الصفقة بالصيغة الحالية. هذا الاحتشاد والرفض لا يمثل خروجاً عن التحالف، بل هو دفاع مشروع عن الوجود، ورفض مطلق لتحويل دماء الجنوبيين ومعاناتهم إلى أوراق مساومة تُدفع لتغطية الثغرات التفاوضية لأي طرف كان.
▪️ أما عن رأيي الشخصي التحليلي؛ فالتنازلات التي تُبنى على حساب الحلفاء الاستراتيجيين لا تصنع سلاماً مستداماً، بل تؤسس لمرحلة جديدة من الابتزاز. فعندما تُدار المفاوضات بمنطق التخلص من الأعباء الفردية المحدودة ولو على حساب الأمن الشامل للمنطقة، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة للميليشيات بأن سياسة ليّ الأذرع والتعنت تؤتي ثمارها، وفي الوقت نفسه، تخسر مكانتك أمام المنظمات الدولية التي تقيّم سلوكك وموقفك ومدى احترام أي طرف لك. ولذلك، فإن مراجعة هذا المسار التفاوضي وتصحيح بوصلته لم يعد خياراً، بل هو ضرورة قصوى للحفاظ على ما تبقى من تماسك وثقة في منظومة التحالف الإقليمية.
