مقالات وآراء

من قلب سقطرى… كلمة وفاء لا تُكتب بالحبر بل تُكتب بذاكرة الإنسان

كتب: عارف عبده

 

أنا ابن سقطرى… ومن حق الأرض على أبنائها أن يقولوا كلمة حق عمّا عاشوه ورأوه. فهناك مراحل لا تُقاس بالسنوات، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس، وهناك أيادٍ عندما تمتد بالعطاء لا تُنسى مهما تغيرت الظروف.

كانت مرحلة حضور الإمارات في سقطرى مرحلة فارقة في ذاكرة أبناء الجزيرة؛ مرحلة شعر فيها المواطن أن سقطرى لم تعد بعيدة عن الاهتمام، وأن الإنسان أصبح محور العمل وهدفه الأول.

عشنا عطاءً وصل إلى تفاصيل حياتنا اليومية؛ رأينا تطويراً لقطاع الكهرباء من الصفر، والانتقال بها إلى واقع أفضل، وإيصال التيار إلى مناطق كانت تحلم فقط بأن ترى بصيص نور، حتى أصبحت الكهرباء المستدامة أملاً تحقق لكثير من الأسر والمجتمعات التي عانت طويلاً من غيابها.

وشاهدنا شق الطرق وسفلتتها لتقريب المسافات وربط مناطق سقطرى ببعضها، ورأينا مشاريع وخدمات ساهمت في تغيير واقع الناس وتسهيل حياتهم، وجعلت الوصول بين المناطق أكثر سهولة.

ورأينا اهتماماً بأحد أكثر التحديات التي عانى منها أبناء الجزيرة، وهو شح المياه؛ حيث تم حفر الآبار الارتوازية في مناطق عانت طويلاً من نقص المياه، وتوصيل المياه إلى قرى كانت تنتظر هذه الخدمة، ليصل الماء إلى الأهالي ويخفف عنهم مشقة البحث عنه ونقله لمسافات طويلة.

عشنا اهتماماً بالصحة عندما كان المريض السقطري يحتاج إلى من يفتح له باب الأمل، فتم نقل المرضى للعلاج في أرقى المستشفيات في أبوظبي مجاناً، ليحصلوا على الرعاية التي يحتاجونها، وتخفف عن أسرهم مشقة العلاج خارج الجزيرة. ووصل الدعم والمساعدات إلى الأسر المحتاجة، ورأينا رعاية للأرامل والأيتام، واهتماماً بكبار السن، ووقوفاً مع من أثقلت كاهلهم ظروف الحياة.

ولأن الإنسان هو أساس التنمية، كان للتعليم نصيب من الاهتمام، فدُعم الطلاب والعملية التعليمية، لأن بناء الأجيال هو الاستثمار الحقيقي الذي يبقى أثره لعقود.

ولأن البحر هو روح سقطرى، لم يُنسَ الصيادون؛ فقد وصل إليهم الدعم والاهتمام لمساعدتهم على مواصلة مهنتهم التي تمثل مصدر رزق وركناً من هوية الجزيرة. كما امتد الاهتمام إلى المزارعين، ودعمهم في أعمالهم التي تمثل جزءاً أصيلاً من حياة أبناء سقطرى وتراثهم.

كما فتحت الإمارات أبواباً للعمل أمام أبناء سقطرى، داخل الجزيرة وفي الإمارات، فكانت فرصاً غيرت حياة كثير من الشباب والأسر، ومنحتهم أملاً ومستقبلاً أفضل.

ولم يكن الاهتمام بسقطرى مقتصراً على الخدمات فقط، بل امتد إلى إبراز هويتها وثقافتها أمام العالم؛ فأقيمت فعاليات ومهرجانات داخل الجزيرة، وحضرت ثقافة سقطرى وتراثها في محافل خارجية، من خلال تخصيص جناح خاص في مهرجان الوثبة للتعريف بتاريخ الجزيرة وثقافتها وموروثها الفريد.

وفي جانب الاستقرار، كان هناك اهتمام برفع قدرات الأجهزة الأمنية والعسكرية، ودعم ما يعزز أمن الجزيرة، إضافة إلى الوقوف مع أبناء سقطرى في مواجهة آثار الأعاصير، وبناء منازل لمن فقدوا مساكنهم أو تضررت بيوتهم، حتى تعود الأسر إلى حياتها بأمان وكرامة.

لم تكن تلك المرحلة مجرد مشاريع تُسجل في التقارير، بل كانت مواقف عاشها الناس، وشاهدوها في طرقاتهم، وفي خدماتهم، وفي بيوتهم. ولهذا تبقى في ذاكرة أبناء سقطرى مرحلة لا تُعوّض، لأن الإنسان لا ينسى من وقف معه عندما كان بحاجة إلى من يقف بجانبه.

نحن أبناء سقطرى لا نكتب للتملق، بل نكتب وفاءً لكل عطاء ترك أثراً، فالوفاء من شيم الكرام، والإنجازات الحقيقية هي التي تتحدث عن أصحابها.

شكراً للإمارات على مرحلة كان عنوانها الإنسان قبل المكان، والتنمية قبل الشعارات، والعطاء قبل الكلام.

فالتاريخ قد يطوي صفحات كثيرة… لكنه لا يطوي أثر اليد التي امتدت بالخير.

 

زر الذهاب إلى الأعلى