كيف غيرت الصواريخ والطائرات الحربية والمسيرة قواعد الحرب في جنوب الجزيرة واليمن؟

كتب: د. مسعود عمشوش
في حروب الأمس كان يكفي أن تنظر إلى الخريطة لتعرف أين تقع الحرب. هناك جبهة، وهناك خندق، وهناك مدفعية، وهناك جنود ينتظرون الأمر بالهجوم. وكانت المدن، في الغالب، تقع خلف خطوط القتال، ويحتاج الوصول إليها إلى تقدم عسكري طويل ومكلف.
أما اليوم فقد تغير كل شيء. نعم لم تعد الحرب تسير بالضرورة من الخندق إلى المدينة، ولا من الحدود إلى العاصمة. قد تبدأ من غرفة عمليات بعيدة، وتنتهي بانفجار في منشأة تقع مئات الكيلومترات عن أقرب جبهة. وقد لا ترى الجندي الذي يهاجمك، ولا تسمع دبابة تقترب منك، ولا تعرف حتى من أين جاءت الضربة.
صاروخ واحد، أو طائرة مسيّرة، تستطيع أن يختصر المسافة بين الخصمين. وهنا تحديدًا بدأت الجبهة التقليدية تختفي ، فلم تعد الحرب الحديثة حربًا على الأرض وحدها؛ إنها حرب على السماء، وعلى المعلومات، وعلى القدرة على الوصول إلى الخصم، وعلى قدرته في المقابل على منعك من الوصول إليه.
ومن لا يفهم هذه الحقيقة قد يجد نفسه يخوض حرب القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن العشرين. وهذا، في تقديري، أحد المفاتيح المهمة لفهم المأزق العسكري الذي تعيشه القوى المناهضة للحوثيين في اليمن والجنوب.
لم تعد كثرة الجنود تعني القوة، كان الجيش القوي، في المفهوم التقليدي، هو الجيش الذي يمتلك عددًا كبيرًا من الجنود والمدفعية والدبابات والطائرات.
أما اليوم، فقد أصبحت القوة أكثر تركيبًا. إنها قدرة على اكتشاف الهدف قبل أن يكتشفك، وعلى إصابته من مسافة بعيدة، وعلى تعطيل قدرته على الرد، وعلى حماية قواتك ومنشآتك في الوقت نفسه. ولذلك أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة جزءًا من معادلة القوة الجديدة.
فالطائرة المسيّرة، التي قد تبدو صغيرة وهشة أمام طائرة حربية تقليدية، تستطيع أن تمنح الطرف الذي يستخدمها إمكانات لم تكن متاحة له في السابق. تستطيع أن تستطلع، وتراقب، وتنقل المعلومات، وفي بعض الحالات تحمل سلاحًا إلى هدف بعيد من دون أن يضطر المهاجم إلى إرسال طيار إلى منطقة الخطر.
أما الصاروخ، فقد اختصر في كثير من الحالات المسافة بين القرار والضربة.
وهكذا أصبح هناك سلاح جديد لا يحتاج إلى احتلال الأرض لكي يفرض نفسه على المعركة. يكفي أحيانًا أن يقول للخصم أستطيع الوصول إليك وهذه هي جوهر فكرة الردع. والحرب أصبحت معركة استنزاف للموارد، ثمة جانب آخر أكثر خطورة في هذه الحرب الجديدة .. اقتصاد الضربة ، فالمهاجم يستطيع أحيانًا استخدام أسلحة أقل كلفة لاستهداف أهداف شديدة القيمة، بينما يضطر المدافع إلى إنفاق موارد أكبر بكثير لاعتراضها أو حماية منشآته منها.
ومن هنا لم تعد الحرب مجرد مقارنة بين عدد الصواريخ التي يمتلكها كل طرف. إنها مقارنة بين تكلفة الهجوم وتكلفة الدفاع. وقد تجد دولة نفسها مضطرة إلى إنفاق أموال طائلة لحماية منشأة من أسلحة أرخص بكثير من منظومات اعتراضها. وهذا يجعل الدفاع المطلق أمرًا شبه مستحيل. حتى أكثر الدول تقدمًا في مجال الدفاع الجوي لا تستطيع أن تتعامل مع السماء باعتبارها جدارًا مغلقًا لا يمكن اختراقه.
لقد أدركت إسرائيل هذه الحقيقة منذ وقت مبكر، ولذلك استثمرت بصورة ضخمة في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، ومنها (القبة الحديدية*، ضمن منظومة دفاعية متعددة الطبقات.
لكن التجارب العسكرية الأخيرة، بما فيها المواجهة الإسرائيلية الإيرانية، أظهرت مرة أخرى أن أكثر أنظمة الدفاع تطورًا لا تمنح حصانة كاملة. وهنا تتضح المفارقة: كلما تطورت وسائل الدفاع، تطورت معها وسائل اختراقها.
وكلما ارتفعت قدرة الدولة على حماية سمائها، ارتفعت تكلفة المحافظة على هذه الحماية.
لقد أصبحت الحرب سباقًا بين السلاح الذي يهاجم والسلاح الذي يحاول اعتراضه. والحوثيون فهموا جانبًا من هذه المعادلة في اليمن، ويبدو أنهم أدركوا مبكرًا أن الصراع لا يمكن أن يبقى أسير الجبهات البرية. وقد ساعدتهم ايران ، على مدى سنوات الحرب، على مدى العقدين الماضيين على امتلاك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيتهم العسكرية والسياسية.
وتتحدث تقارير دولية وإقليمية عن وجود دعم غير إيراني للحوثيين في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا والخبرة، بينما تظل تفاصيل هذا الدعم وحجمه موضع خلاف سياسي وعسكري.
لكن، بعيدًا عن كل هذا الجدل، هناك حقيقة ماثلة أمام الجميع: الحوثيون يمتلكون اليوم أدوات تمكنهم من نقل الحرب إلى خارج خطوط التماس. وهذه ليست ميزة صغيرة. فالجغرافيا التي كانت تحمي المدن والمنشآت العسكرية في الماضي أصبحت أقل حماية عندما يستطيع الخصم أن يضرب من مسافات بعيدة.
لقد تغير معنى «الجبهة» في جنوب الجزيرة واليمن. فقد يكون المقاتلون متوقفين عن القتال في منطقة ما، بينما تستمر الحرب في مكان آخر من خلال الصواريخ والمسيّرات. وقد تهدأ الجبهة البرية، لكن السماء تظل مفتوحة على الاحتمالات. وهكذا أصبحت الحرب في تلك المنطقة، مثل كثير من الحروب الحديثة، حربًا لا يمكن تحديد مكانها بسهولة.
لكن السؤال الأصعب: ماذا تملك ما نسميه بـ(الشرعية اليمنية) ؟ هنا نصل إلى الجزء الأكثر إيلامًا في المشهد. إذا كان الحوثيون قد طوروا أدوات الحرب الجديدة، فما الذي تملكه القوى التي تتحدث باسم الشرعية المعترف بها دوليًا لمواجهتها؟
لا يتعلق السؤال بعدد الجنود. ولا بعدد المعسكرات. ولا بعدد الأسلحة الموجودة في المخازن. ويظل السؤال الحقيقي هو:
هل تمتلك الشرعية منظومة عسكرية حديثة متكاملة تستطيع أن تردع خصمها وتحمي مناطق نفوذها ومنشآتها وقواتها؟
والإجابة تبدو، حتى الآن، غير مطمئنة. فالمشكلة اليمنية ليست مشكلة سلاح فقط؛ إنها مشكلة بنية دولة وقرار عسكري. لقد قامت الشرعية الحالية من خلال دمج تشكيلات وقوى عسكرية متعددة جنوبية وشمالية، وتوزعت مراكز القوة، وتداخلت الأجندات المحلية والإقليمية، وبات من الصعب النظر إلى المعسكر المناهض للحوثيين بوصفه جيشًا وطنيًا واحدًا يعمل تحت قيادة عسكرية موحدة وقرار سياسي واحد.
وهذه ليست ملاحظة شكلية. فالجيش الحديث لا يصنعه جمع آلاف الرجال في معسكرات. الجيش الحديث هو منظومة. استخبارات. استطلاع. اتصالات. دفاع جوي. قوة جوية. صواريخ. قدرة على تحديد الأهداف. غرفة عمليات. سلسلة قيادة واضحة. قرار سياسي وعسكري موحد وإمدادات لا تتوقف.
ومن دون كل هذه العناصر، قد يمتلك الطرف آلاف المقاتلين لكنه يظل عاجزًا عن خوض حرب حديثة. جيش كثير… وقوة قليلة هذه واحدة من أكثر مفارقات الحرب اليمنية قسوة.
قد يكون لدى القوى المناهضة للحوثيين مقاتلون وسلاح ومواقع عسكرية، لكن امتلاك هذه العناصر منفردة لا ينتج بالضرورة قوة عسكرية حديثة. فالعدد لا يعوض التكنولوجيا. والسلاح المتناثر لا يعوض منظومة القيادة. والجندي الموجود في الجبهة لا يستطيع بمفرده أن يعترض مسيّرة تحلق فوقه. ولا يستطيع أن يمنع صاروخًا بعيد المدى من الوصول إلى هدفه.
وهنا تظهر الفجوة بين الجيش باعتباره كتلة بشرية والجيش باعتباره منظومة ردع وطنية. والأخطر أن هذه الفجوة لا يمكن سدها بالبيانات السياسية. ولا بالحديث المتكرر عن الشرعية. فالشرعية السياسية، مهما كان الاعتراف الدولي بها مهمًا، لا تتحول تلقائيًا إلى قوة عسكرية. الاعتراف الدولي يمنح الدولة شرعية سياسية وقانونية، لكنه لا يصنع لها منظومة دفاع جوي. ولا يبني جيشًا موحدًا. ولا يمنحها صاروخًا قادرًا على الرد. ولا يعوض غياب القرار العسكري المستقل.
الشرعية أمام سؤال الحلفاء؟؟
ربما كانت المشكلة أكثر تعقيدًا لأن القوى المناهضة للحوثيين اعتمدت طوال سنوات الحرب بدرجات متفاوتة على الدعم الخارجي. وهذا أمر مفهوم في حرب استنزفت موارد البلاد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: إلى متى يمكن أن يبقى الخارج هو مصدر القوة الأساسي في حرب يفترض أن يكون اليمن هو صاحب قرارها النهائي؟
المشكلة أن البيئة التاريخية والإقليمية نفسها تغيرت. الدول التي دخلت الحرب اليمنية بصورة مباشرة في سنواتها الأولى لم تعد تبدو راغبة في خوض حرب مفتوحة بالوتيرة نفسها. والإقليم كله يبدو أكثر ميلًا إلى التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات. أما المجتمع الدولي، فلا يبدو مستعدًا للانخراط في حرب يمنية جديدة بلا أفق سياسي. وهكذا تجد الشرعية نفسها أمام مأزق بالغ الصعوبة: خصم يملك أدوات قادرة على الوصول بعيدًا، وحلفاء لا يريدون العودة إلى حرب مفتوحة، وواقع عسكري داخلي شديد التشتت.
فكيف يمكن لقوة بهذا الوضع أن تحقق ردعًا حقيقيًا؟ هل تستطيع الشرعية أن ترد؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب النقاش.
ليس: هل تستطيع الشرعية أن تصمد في الجبهة؟
بل: هل تستطيع أن تجعل خصمها يفكر مرتين قبل أن يضغط زر الإطلاق؟
هذه هي قيمة الردع. والردع لا يعني أن تكون أقوى من خصمك في كل شيء. بل أن تجعل تكلفة الاعتداء عليك مرتفعة بما يكفي حتى لا يصبح الهجوم خيارًا سهلًا. وإذا كان طرف يستطيع أن يضرب خصمه، بينما لا يملك خصمه القدرة الواضحة على الرد، فإن معادلة الردع تبدأ بالاختلال.
وهذا الاختلال أخطر من خسارة موقع عسكري هنا أو هناك. لأنه يتحول مع الوقت إلى اختلال في ميزان الإرادة. والحروب لا تنتصر فيها الأسلحة وحدها. تنتصر فيها الإرادة أيضًا.
لا أحد يريد اليوم العودة إلى (المستنقع اليمني). هذه الحقيقة الأكثر قسوة. فمن الصعب تصور عودة الإقليم أو القوى الدولية إلى السيناريو العسكري السابق في اليمن جنوبه وشماله. لقد كانت الحرب طويلة، ومكلفة، ومعقدة، ولم تنتج الحسم الذي كان يتوقعه البعض. ومن الطبيعي أن تبحث الدول اليوم عن طرق أخرى لإدارة الصراع. ولهذا فإن انتظار تدخل خارجي جديد لإنقاذ الشرعية من مأزقها العسكري قد يكون رهانًا على شيء لا يبدو أن أحدًا يريد دفع ثمنه. لا أحد يريد أن يدخل المستنقع اليمني مرة أخرى بالطريقة القديمة. ولا ينبغي لليمنيين أن ينتظروا إلى الأبد قوة خارجية تأتي لتقرر لهم مستقبل الحرب والسلام.
لكن ذلك يضع الشرعية أمام مسؤولية تاريخية: إما أن تعيد بناء نفسها بوصفها مشروع دولتين كما كانت البلاد قبل نهاية 1990، أو تظل مجرد مظلة سياسية لقوى عسكرية متفرقة. وهذا يعني أن توحيد القرار العسكري ليس ترفًا. وكان من أخطاء رئيس مجلس قيادة الشرعية استبعاد القادة الجنوبيين من السلطة واقصائهم.
إنه شرط للبقاء. الحرب المقبلة لن تكون مثل الحرب الماضية لقد آن الأوان لقراءة الحرب اليمنية بعيدًا عن الصور القديمة.
لم تعد الجبهة هي كل شيء. ولم تعد السيطرة على الجبل أو الوادي أو الطريق تعني وحدها امتلاك زمام الحرب. قد يسيطر طرف على الأرض لكنه لا يستطيع حماية سمائه. وقد يمتلك آلاف المقاتلين لكنه لا يستطيع اكتشاف مصدر الخطر.
وقد تكون لديه أسلحة كثيرة لكنه لا يملك منظومة قيادة واحدة.
وفي المقابل، قد يستطيع طرف أقل عددًا أن يفرض نفسه على خصوم أكبر منه من خلال امتلاك أدوات رخيصة نسبيًا قادرة على إحداث أثر استراتيجي.
هذه هي المفارقة التي يجب ألا تغيب عن صانعي القرار في اليمن والجنوب. القوة لم تعد في عدد البنادق فقط؛ إنها في القدرة على جعل الخصم يشعر بأن سماءه ليست آمنة. لكن هذه الحقيقة تحمل وجهًا آخر أكثر أهمية: لا يمكن أن تكون الصواريخ والمسيّرات هي التي تقرر مستقبل المنطقة. فحتى لو استطاع طرف أن يقصف خصمه، فإن الصاروخ لا يبني مدرسة.
ولا يعيد بناء ميناء. ولا يعيد تشغيل اقتصاد. ولا يوحد مجتمعًا. ولا يصنع دولة. وهنا تتجاوز المسألة حدود التنافس العسكري لتصبح سؤالًا عن معنى الدولة نفسها. ومن يملك الحرب لا يملك بالضرورة السلام
لقد أصبح من الممكن في زمن الصواريخ والمسيّرات أن يصل طرف إلى خصمه من مسافة بعيدة. لكن الوصول إلى الخصم ليس هو الوصول إلى السلام