الإمام شهاب الدين أحمد العمودي البكري الصديقي عالم زبيد وتعز الذي جمع بين الفقه والزهد والولاية

بقلم: النسابة المحقق د.مولاي ابراهيم جماني الاساوي البكري التيمي القرشي
الإمام العلامة شهاب الدين أحمد الفقيه عثمان العمودي البكري الصديقي عالمٌ زبيديّ المولد، تعزيّ المقام، من أعلام العلم والولاية في القرن العاشر الهجري توفي سنة 965هـ .
يُعدّ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد الفقيه عثمان العمودي من الشخصيات العلمية والصوفية البارزة التي عاشت في القرن العاشر الهجري، واشتهرت بالعلم والفتوى والتدريس والعبادة والزهد، حتى عُدَّ في عصره من كبار أهل العلم والصلاح، ووصفه أصحاب التراجم بأنه كان أوحد عصره علمًا وصلاحًا.
وقد توفي، رحمه الله تعالى، يوم السبت الحادي عشر من شهر المحرم سنة 965هـ، بعد حياة حافلة بالعلم والتدريس والعبادة وخدمة الفقراء وطلبة العلم.
نسبه وأسرته:
هو: شهاب الدين أحمد الفقيه عثمان بن محمد بن أحمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن محمد بن الشيخ الكبير الولي المربي سعيد بن عيسى بن أحمد، الشهير بالعمودي البكري الصديقي.
وينتمي الشيخ إلى أسرة العمودي المعروفة بالعلم والصلاح، وهي أسرة ارتبط تاريخها العلمي والصوفي بحضرموت، ثم انتشرت فروع منها في عدد من الحواضر العلمية، ومن بينها زبيد وتعز.
وقد كانت ولادته في زبيد، وهي إحدى أهم المراكز العلمية في اليمن، حيث نشأ في بيئة علمية، وتلقى معارفه، ثم برز في علوم الفقه والفتوى والتدريس.
نشأته في بيت علم وصلاح:
كان والده الفقيه عثمان بن محمد من أهل العلم والصلاح، وقد انتقل في شبابه من بلاده قيدون إلى زبيد طلبًا للعلم، فأخذ عن جماعة من علمائها حتى برع فيه، ثم تزوج هناك، فولد له صاحب الترجمة الإمام أحمد.
وهذا يكشف عن البيئة العلمية التي نشأ فيها الشيخ، فقد اجتمع له شرف الانتساب إلى أسرة عُرفت بالعلم والصلاح، مع نشأة في واحدة من أبرز الحواضر العلمية اليمنية في ذلك العصر.
مكانته العلمية:
بلغ الإمام أحمد العمودي منزلة رفيعة في العلم والفتوى، وكان من كبار أهل العلم والتدريس.
ومن أبرز ما عُرف به أنه كانت تأتيه الفتاوى من البلاد البعيدة، فيجيب عنها، وهو ما يدل على اتساع شهرته العلمية وتقدير العلماء وطلاب العلم له.
وكان من محفوظاته كتاب «الإرشاد» في الفقه، كما تولى ولاية مدرسته في تعز، فكان قائمًا على شؤونها العلمية، ومشرفًا على طلبتها.
ولم تكن عنايته بالعلم مقصورة على التدريس والفتوى، بل كان يرى أن العلم مسؤولية وخدمة، ولذلك سخّر ما كان يصل إليه من موارد المدرسة ووقفها لخدمة الفقراء والطلبة والملازمين.
الزهد والعبادة وخدمة المحتاجين:
تجمع المصادر التي ترجمت له بين العلم والصلاح، وتصفه بالورع والزهد وكثرة العبادة والإقبال على الطاعة.
وكان، بحسب ما أورده صاحب الترجمة، سالكًا على نهج السلف الصالح، ملازمًا للخمول، تاركًا لما لا يعنيه، مع إحسان دائم إلى الفقراء والمحتاجين وطلبة العلم.
ومن أبرز ما يروى في زهده أنه كان ينفق جميع ما يصل إليه من وقف المدرسة على الفقراء والطلبة، ولا يحتفظ لنفسه منه بشيء لنفقته.
وهذه الصورة تعكس نموذج العالم الذي جمع بين الفقه والتعليم والزهد والخدمة الاجتماعية، فلم يكن العلم عنده مجرد منزلة، بل وسيلة لخدمة الناس وإعانة المحتاجين.
مكانته بين أهل الولاية:
إلى جانب مكانته العلمية كان من أهل الولاية والصلاح، وتنسب إليه أحوالًا وكرامات كانت متداولة في عصره، حتى قيل إنه كان يعرف اسم الله الأعظم، وأنه كان ينفق من الغيب.
كما تذكر الترجمة أن الباشوات كانوا يعظمونه ويخضعون لهيبته، وهي رواية تعكس ما كان يحظى به من مكانة وهيبة في المجتمع آنذاك.
وينبغي قراءة هذه الأخبار في إطار أدبيات كتب التراجم والمناقب التي اعتادت أن تسجل ما اشتهر عن الأولياء من الكرامات والأحوال، مع التفريق بين الرواية التاريخية الموثقة وبين الأخبار المناقبية التي نقلها أصحاب التراجم.
تلاميذه وأثره العلمي:
لم تقتصر مكانة الشيخ على عصره، بل كان له أثر في تكوين عدد من أهل العلم.
ومن أبرز من أخذ عنه وتخرج به الفقيه الصالح علي بن علي أبا يزيد الدوعني، صاحب «النكت على الإرشاد» وصاحب الفتاوى المشهورة.
وهذا يدل على أن مدرسة الشيخ لم تكن مجرد مقام للتدريس، بل كانت حلقة من حلقات انتقال المعرفة الفقهية بين العلماء والطلاب، وأن أثره العلمي امتد من خلال تلاميذه إلى الأجيال اللاحقة.
وفاته وتخليد ذكراه:
توفي الإمام شهاب الدين أحمد الفقيه عثمان العمودي البكري يوم السبت الحادي عشر من المحرم سنة 965هـ، وكان عمره عند وفاته نحو خمسين سنة تقريبًا.
وبعد وفاته، بُنيت عليه قبة عظيمة، تخليدًا لذكراه ومكانته، واستمرارًا لما كان عليه الناس في تلك العصور من إقامة المشاهد والقباب على قبور العلماء والأولياء المشهورين.
وقد عبّر صاحب الترجمة عن عظم منزلته بقوله إنه كان «أوحد عصره علمًا وصلاحًا، ولم يخلفه بعده مثله»، وهي عبارة تكشف عن مدى التقدير والمكانته في البيئة العلمية والصوفية التي عاش فيها.
والده الفقيه عثمان بن محمد:
ومن المهم في دراسة شخصية الإمام أحمد الوقوف على سيرة والده الفقيه عثمان بن محمد، الذي كان بدوره من أهل العلم والصلاح.
فقد انتقل عثمان في شبابه من قيدون إلى زبيد طلبًا للعلم، وأخذ عن علمائها حتى برع، ثم استقر بها وتزوج، فولد له الإمام أحمد.
وتكشف هذه الرحلة عن طبيعة الحركة العلمية بين حواضر حضرموت واليمن في ذلك العصر، حيث كان طلاب العلم ينتقلون بين المدن والبلدان طلبًا للسماع والتحصيل ومجالسة العلماء.
العموديون بين حضرموت واليمن:
تأتي ترجمة الإمام أحمد العمودي البكري،ضمن سياق أوسع لتاريخ الأسرة العمودية التي ارتبط اسمها بالعلم والصلاح في حضرموت واليمن.
وتبرز في ترجمته أسماء ومواطن متعددة، من قيدون إلى زبيد ثم تعز، بما يعكس حركة أسر العلم بين المراكز الحضرمية واليمنية، وهي حركة أسهمت في نشر العلوم الشرعية وتكوين شبكات علمية وروحية امتدت عبر الأجيال.
ومن هنا تكتسب هذه الترجمة أهمية خاصة للباحث في تاريخ العموديين؛ لأنها لا تقدم مجرد سيرة فردية، وإنما تكشف عن جانب من الحضور العلمي والصوفي للأسرة العمودية في اليمن خلال القرن العاشر الهجري.
شهادة صاحب الترجمة وأهمية المصادر:
ومن اللافت أن مؤلف الكتاب الذي نقل هذه الترجمة أبدى حسرة واضحة على عدم تمكنه من الوصول إلى تواريخ وأخبار عدد من كبار العلماء والأولياء في عصره.
وذكر ضمن هؤلاء عددًا من الأعلام، ومنهم الشيخ أبو الحسن البكري، وشهاب الدين أحمد بن عبد الحق السنباطي المصري، وعمر بن عبد الله أبا محزمة الحضرمي، وعمر بن أحمد العمودي، وعبد القادر بن أحمد الحباني، وعلي بن أحمد البسكري المالكي المغربي المكي، ومحمد الحطاب، وعلي بن عراق وغيرهم.
وهذه الإشارة ذات قيمة منهجية مهمة؛ لأنها تكشف أن مؤلف الترجمة كان واعيًا بوجود فجوات في المادة التاريخية، وأنه لم يدّع الإحاطة بكل أخبار أعلام عصره، بل دعا من يملك معلومات إضافية إلى إلحاقها بكتابه، حفظًا للتاريخ وتكميلًا للتراجم.
خلاصة:
تمثل شخصية الإمام العلامة شهاب الدين أحمد الفقيه عثمان العمودي البكري ، نموذجًا للعالم الذي جمع بين الفقه والفتوى والتدريس والزهد والعبادة وخدمة الفقراء وطلبة العلم.
فقد ولد في زبيد، ونشأ في بيت علم وصلاح، وتولى التدريس في تعز، واشتهر بالفتوى حتى كانت تأتيه الأسئلة من البلاد البعيدة، وترك أثرًا في عدد من طلاب العلم، من أبرزهم الفقيه علي بن علي أبا يزيد الدوعني.
وتوفي سنة 965هـ عن نحو خمسين عامًا، بعد حياة قصيرة نسبيًا، لكنها كانت حافلة بالعلم والصلاح حتى عُدَّ من أعلام عصره.
وتظل ترجمته شاهدًا مهمًا على الدور الذي أدته الأسر العلمية، ومنها الأسرة العمودية البكرية ، في الحياة العلمية والدينية في حضرموت واليمن خلال القرون الهجرية المتقدمة، كما تمثل مادتها مصدرًا مهمًا للباحثين في تاريخ العموديين وانتشار فروعهم وصلاتهم العلمية بين قيدون وزبيد وتعز.
انظر:
1-قريش بين الماضي و الحاضر.
2- اعلام واولياء من ذرية ابي بكر الصديق رضي الله عنه.
3-تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر ، محمد بن عمر الطيب بافقيه.