تخفيض رسوم المدارس الخاصة.. المتضرر الأكبر هو المعلم؟

كتب/ أمين الأميني
في كل عام، ومع اقتراب انطلاق العام الدراسي، يتجدد الجدل حول رسوم المدارس الخاصة، وتتزايد الأصوات المطالبة بتخفيضها استجابةً للظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر. وهذه المطالب، وإن كانت مفهومة من الناحية الإنسانية والاجتماعية، إلا أن النظر إلى القضية من زاوية واحدة قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة على العملية التعليمية نفسها.
فالمدرسة الخاصة، شئنا أم أبينا، ليست مؤسسة حكومية تعتمد على الموازنة العامة للدولة، بل هي منشأة تعليمية تعمل وفق نظام اقتصادي قائم على الإيرادات والمصروفات، وتخضع – في جانب منها – لقواعد العرض والطلب والمنافسة بين المؤسسات. وبالتالي فإن أي قرارات تتعلق بتحديد الرسوم أو تخفيضها ينبغي أن تُبنى على دراسات دقيقة لتكاليف التشغيل، لا على ردود أفعال آنية أو ضغوط شعبية.
إن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه هو: من الذي سيدفع ثمن تخفيض الرسوم؟
في الغالب، لن يكون المستثمر أو مالك المدرسة هو المتضرر الأول، بل سيذهب العبء مباشرة إلى الحلقة الأضعف في المنظومة التعليمية، أي المعلم. وعندما تُخفض الإيرادات بصورة كبيرة دون معالجة بقية التكاليف الثابتة – من إيجارات، وكهرباء، وصيانة، ووسائل تعليمية، ونقل، ومختبرات، وتقنيات حديثة – فإن أول ما يُفكر فيه هو تقليص الرواتب أو تخفيض عدد العاملين أو تقليل الخدمات المقدمة للطلاب.
وقد حذرت اتحادات المدارس الأهلية في أكثر من مناسبة من أن التخفيض غير المدروس للرسوم قد يؤدي إلى إضعاف جودة التعليم أو حتى إغلاق بعض المدارس غير القادرة على تغطية نفقاتها، مشيرة إلى أن رواتب المعلمين وكلفة التشغيل تمثل الجزء الأكبر من مصروفات المدارس الخاصة.
والواقع أن جودة التعليم لا تنفصل عن وضع المعلم. فالمعلم الذي يتقاضى راتبًا متدنيًا لن يستطيع أن يبدع أو يطور نفسه، والمدرسة التي تعجز عن توفير بيئة تعليمية مناسبة ستفقد قدرتها على المنافسة. وتجارب عديدة تؤكد أن أي ضغط مالي كبير على المؤسسات التعليمية الخاصة ينعكس مباشرة على الخدمات المقدمة للطلاب وعلى استقرار العملية التعليمية.
وفي المقابل، لا يعني هذا الدفاع عن أي زيادات عشوائية أو رسوم مبالغ فيها. فمن حق الجهات المختصة أن تتدخل عندما تكون الرسوم غير مبررة أو تتجاوز الكلفة الفعلية بصورة كبيرة، كما أن الشفافية في إعلان المصروفات والرقابة على جودة التعليم تظل أمورًا ضرورية لتحقيق التوازن بين مصلحة الأسرة ومصلحة المؤسسة التعليمية.
إن الحل الحقيقي لا يكمن في قرارات عامة قد تُرضي الشارع مؤقتًا، بل في بناء معايير واضحة لتصنيف المدارس وفق مستوى الخدمات والكلفة الفعلية، وإيجاد رقابة عادلة تمنع الاستغلال وتحافظ في الوقت ذاته على جودة التعليم وحقوق المعلمين.
وفي النهاية، يبقى التعليم الخاص خيارًا تلجأ إليه الأسر التي تبحث عن نمط معين من التعليم أو خدمات إضافية، بينما يظل التعليم الحكومي هو الأساس الذي يجب أن يحظى بالدعم والتطوير. أما تحميل المدارس الخاصة وحدها أعباء الأزمة الاقتصادية، دون النظر إلى واقع التكاليف، فقد يقود إلى نتيجة لا يريدها أحد: مدارس أقل جودة، ومعلمون أقل دخلًا، ومستقبل تعليمي أكثر هشاشة.
إن القضية ليست معركة بين ولي الأمر والمدرسة الخاصة، بل هي معادلة دقيقة عنوانها: كيف نحافظ على حق الأسرة في تعليم ميسر، وحق المعلم في أجر عادل، وحق الطالب في تعليم جيد في آن واحد؟