مقالات وآراء

التحوّل الصامت في حياة النساء في الجنوب

كتب: د. مسعود عمشوش

لفترة طويلة، كان يمكن أن تعرف موقع المرأة في الأسرة الجنوبية من خلال سؤال بسيط: هل تعمل؟ وكانت الإجابة، في كثير من البيوت، لا تحتاج إلى كثير من التفكير. المرأة تعمل، نعم، ولكن داخل حدود مرسومة بعناية: في البيت، في المطبخ، في تربية الأبناء، وربما في المدرسة إن كانت معلمة، أو في المستشفى إن كانت طبيبة أو ممرضة. وحتى نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي نادرا ما نجد المرأة في الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة خارج إطار المدرسة أو المستشفى، لاسيما خارج عدن التي تأثرت كثيرا بعادات الأقليات الغربية والهندية التي كانت تشكل جزءا مهما من المجتمع في عدن حتى 1967 .
أما أن تقف المرأة خلف طاولة في محل تجاري، أو تعمل في مول، أو تقف في متجر لتبيع ما تنتجه، أو تفتح هي نفسها صالونًا للتجميل، أو تبحث بنفسها عن زبائنها عبر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، فذلك كان إلى وقت قريب يبدو خروجًا عن المألوف في قطاعات واسعة من المجتمع.
لكن شيئًا ما تغيّر.
التغير لم يحدث بضجيج، ولم تعلن عنه مؤتمرات اجتماعية كبرى، ولم يصدر بشأنه قرار حكومي. إنه تحول هادئ، يكاد المرء لا يلحظه إلا إذا توقف قليلًا ليتأمل المشهد من حوله.
في عدن، والمكلا، ولحج، ثم في سيئون وتريم ومدن أخرى في الجنوب، خرجت المرأة تدريجيًا من الصورة التقليدية لربة البيت إلى صورة أخرى أكثر تعقيدًا: المرأة المنتجة، والمرأة العاملة، والمرأة صاحبة المشروع، وفي بعض الحالات المرأة المعيلة للأسرة.
ولعل المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذا التحول لم يحدث لأن المجتمع أصبح فجأة أكثر تحررًا، وإنما لأن الاقتصاد أصبح أكثر قسوة.
حين لم يعد راتب الرجل يكفي
مع انهيار قيمة الدخول، وتراجع فرص العمل، وعدم انتظام المرتبات، وارتفاع الأسعار، أصبحت الأسرة الجنوبية تواجه سؤالًا لم يعد بالإمكان تأجيله: كيف نعيش؟
في الماضي، كان وجود رجل يعمل في الأسرة يمنح المرأة، في كثير من البيوت، سببًا للبقاء خارج سوق العمل. وكان بإمكان الأسرة أن تقول: لماذا تعمل المرأة ما دام الرجل قادرًا على إعالتها؟
لكن المعادلة تغيرت.
فحين يفقد الأب عمله، أو يتقاعد دون دخل كافٍ، أو يصاب بعجز، أو يصبح راتبه غير منتظم وضئيلا، أو يتوفى الزوج، أو لا يجد الشاب أصلًا فرصة للعمل، يصبح خروج المرأة إلى السوق أقل استفزازًا للأسرة وأكثر ضرورة لها.
وهنا حدث التحول الأهم:
لم تعد قضية عمل المرأة قضية رفاه أو رغبة شخصية فقط؛ أصبحت في حالات كثيرة قضية بقاء الأسرة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الحرب والأزمة الاقتصادية دفعتا نساء في حضرموت، على وجه الخصوص، إلى دخول القطاع الخاص والمجالات الاقتصادية للمساهمة في دخل الأسرة، بعدما كان العمل النسائي الحضري متركزًا بدرجة أكبر في التعليم والصحة والوظائف الحكومية. أي أن الحاجة الاقتصادية لم تغير دخل الأسرة فحسب؛ لقد بدأت تغير تعريف المجتمع نفسه للمرأة العاملة.

من البخور والعشار إلى مشروع تجاري
في عدن، يمكن مشاهدة هذا التحول في صورته الأكثر وضوحًا. نساء يحضرن البخور والعطور والعشار في المنازل، وأخريات يخطن الملابس، ويصنعن الحلويات والمأكولات، ثم يعرضن منتجاتهن عبر فيسبوك وواتساب، ويتلقين الطلبات ويستخدمن خدمات التوصيل للوصول إلى الزبائن. هذه الأعمال تبدو في ظاهرها صغيرة، لكنها تحمل معنى اجتماعيًا كبيرًا.
فالمرأة التي كانت تصنع البخور داخل بيتها باعتباره جزءًا من مهاراتها المنزلية، أصبحت تصنعه الآن باعتباره سلعة.
والتي كانت تجيد الخياطة لتلبية احتياجات أسرتها، أصبحت تخيط لتبيع.
والتي كانت تصنع الطعام لأفراد بيتها، أصبحت تصنعه لزبائن لا تعرفهم.
بمعنى آخر، انتقلت مهارة المرأة من اقتصاد البيت إلى اقتصاد السوق.
وقد وثقت دراسة لمركز المرأة للبحوث والتدريب بجامعة عدن أثر المشاريع الصغيرة في تمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا، وأظهرت دراسة ميدانية شملت 122 امرأة أن هذه المشاريع ساعدت على زيادة الدخل وتحسين مستوى المعيشة، وأن غالبية المشاريع كانت في قطاع الخدمات.
ولم يعد الأمر مجرد نشاط فردي معزول. ففي عام 2026 افتتح في كريتر (سوق النساء)، الذي يضم عشرات النساء صاحبات الأكشاك والمشاريع في الملابس والإكسسوارات والصناعات الغذائية والمشغولات اليدوية.
إن وجود سوق تديره النساء ليس مجرد خبر اقتصادي. إنه صورة مكثفة للتحول الاجتماعي الذي نتحدث عنه.
فما كان يُمارس خلف الأبواب المغلقة أصبح له عنوان ولافتة ومكان وزبائن.

وفي المكلا، يأخذ التحول شكلًا آخر.
الخمير، وخبز التنور، والحلويات، والخياطة، والتجميل، والحناء، وغيرها من المهارات التي ارتبطت طويلًا بالمرأة داخل البيت، تتحول شيئًا فشيئًا إلى مصادر للدخل.
وهذا ليس ذلك مجرد انطباع عابر. فدراسة ميدانية أكاديمية نشرت عام 2025 حول المشاريع الصغيرة النسائية في مدينة المكلا وجدت تنوعًا في هذه المشاريع، من خياطة الملابس إلى صناعة الحلويات وتجميل النساء. وخلصت إلى أن من أهم دوافع النساء دخول هذه المشاريع غلاء المعيشة والحاجة إلى إعالة الأسرة، وأن المشاريع أسهمت في زيادة دخل الأسرة وتحسين المكانة الاقتصادية والاجتماعية للمرأة.
والأكثر أهمية أن الدراسة نفسها تكشف عن بقاء مقاومة اجتماعية لعمل المرأة، إذ ما تزال بعض الأسر ترفضه، كما تواجه صاحبات المشاريع صعوبات في التسويق والتعامل مع الرجال.
وهذا يكشف طبيعة المرحلة التي نعيشها: التغير يحدث، لكنه لم يكتمل.
فالمرأة تدخل السوق، بينما لا يزال جزء من المجتمع يحاول أن يقرر إلى أي مدى يسمح لها بالدخول.

إذن، المرأة المعيلة ليست استثناءً بعد الآن؛ وربما تكون هذه هي النقطة الأكثر حساسية في الموضوع. فالمرأة الجنوبية لم تعد دائمًا تعمل لتحسين مستوى معيشة الأسرة أو لشراء أشياء إضافية.
وقد وثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في حضرموت حالة امرأة أصبح مشروعها في صناعة المعجنات مصدر الدخل الوحيد لها ولأسرة أختها ولأسرة ابنتها. كما وثق تجربة مجموعة من النساء أسسن مشروعًا لإنتاج الحناء ومنتجات العناية بالشعر والبشرة.
وهنا تتغير دلالة العمل جذريًا. فالمرأة لم تعد (تساعد زوجها) فقط. إنها أحيانًا تعيل زوجها وأبناءها، أو تعيل أبناءها وحدها، أو تتحمل جزءًا أساسيًا من نفقات أسرتها الممتدة. وهذا التحول الاقتصادي لا بد أن يترك أثرًا على السلطة داخل الأسرة، وعلى صورة المرأة عن نفسها، وعلى نظرة الأبناء إليها.
فالابنة التي ترى أمها تستيقظ صباحًا لتصنع وتبيع، ثم تعود مساءً بدخلها، لن تنظر إلى العمل بالطريقة التي كانت تنظر بها ابنة الأم التي لم تعرف سوى الدور المنزلي.

لكن التحول الأكثر دلالة، في رأيي، لا يحدث فقط في المشاريع المنزلية.
إنه يحدث أمام أعيننا في أماكن العمل نفسها. فقد اعتادت أسر جنوبية كثيرة، خصوصًا المحافظة منها، أن ترى تدريس البنات والنساء المهنة الأكثر قبولًا. المدرسة مكان آمن، والمهنة مألوفة، وساعات العمل معروفة، ولذلك ظلت مهنة التعليم لفترة طويلة البوابة الأوسع لخروج المرأة إلى المجال العام.
أما اليوم، فإن المشهد يتسع. الآن يمكن أن ترى المرأة في الصيدلية، وفي الوكالة، وفي مركز طبي، وفي محل الملابس، وفي المول، وفي بعض الدكاكين والمشاريع التجارية. وقد لا يبدو ذلك ثوريًا لمن يراه يوميًا، لكنه يصبح ثوريًا إذا قارناه بما كان عليه الحال قبل عقد أو عقدين.
فالمسألة هنا ليست أن امرأة واحدة حصلت على وظيفة، وإنما أن الأسرة نفسها بدأت تقبل فكرة أن ابنتها يمكن أن تعمل في القطاع الخاص.
وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

ولعل المثال الأكثر إثارة هو ما يحدث في وادي حضرموت ، في سيئون وتريم والقطن المشهورة بتحفظها. فهذه مدن ظلت في المفهوم الاجتماعي مرتبطة بقدر أكبر من المحافظة الاجتماعية، وكان من السهل الاعتقاد أن خروج المرأة إلى سوق العمل سيظل محكومًا بالحدود القديمة.
لكن الوقائع تقول إن الصورة تتحرك. ففي تريم، عقدت غرفة تجارة وصناعة وادي حضرموت والصحراء عام 2022 ورشة لرائدات الأعمال، استهدفت سيدات الأعمال وصاحبات المشاريع الصغيرة في تريم وسيئون والقطن، وشجعت على تسجيل المشاريع وتنظيمها وتحسين دخل النساء. أي أن المرأة لم تعد موجودة فقط باعتبارها صاحبة نشاط منزلي غير رسمي؛ بل بدأت تظهر بوصفها صاحبة مشروع تحتاج إلى سجل تجاري وترخيص وعلاقة مع غرفة التجارة.
وهذا انتقال مهم جدًا. فالعمل الذي يبدأ في البيت قد ينتهي أمام مكتب حكومي لاستخراج ترخيص.
وهكذا يتحول النشاط النسائي من شيء تفعله المرأة إلى مهنة معترف بها اقتصاديًا.

ولحج ليست بعيدة عن المشهد ففيها أيضًا تظهر صور مختلفة للتحول. نساء يدخلن مجال الخياطة، ومشاريع الأسر المنتجة، والتصنيع الغذائي، والمشاريع الصغيرة، فيما تقدم برامج التنمية والتدريب دعمًا لنساء يحاولن تحويل مهاراتهن إلى مصادر دخل. وقد وثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تجارب لنساء في لحج تمكنّ من تحويل مهاراتهن إلى مشاريع اقتصادية، في إطار برامج التدريب والتمويل ودعم ريادة الأعمال النسائية.
وهنا نجد أنفسنا أمام ظاهرة تتجاوز مدينة بعينها. عدن لها صورتها. والمكلا لها صورتها. ولحج لها صورتها. وسيئون وتريم لهما صورتهما. لكن القاسم المشترك هو اتساع المساحة التي تتحرك فيها المرأة اقتصاديًا.
هل حررت الأزمة والحرب المرأة؟ قد يبدو السؤال مستفزًا، لكنه يستحق الطرح. الحرب بالتأكيد لم تكن مشروعًا لتحرير المرأة. على العكس، لقد أضافت إلى النساء أعباء هائلة، ووسعت الفقر والهشاشة والعنف والنزوح والمسؤوليات المنزلية. لكنها، بصورة غير مقصودة، دفعت بعض الأبواب التي كانت مغلقة. حين أصبح دخل الرجل غير كافٍ، اضطرت المرأة إلى البحث عن دخل. وحين احتاجت الأسرة إلى المال، أصبحت بعض المهن التي كانت مرفوضة مقبولة. وحين اكتشفت المرأة أنها قادرة على إنتاج سلعة وبيعها، اكتشفت في الوقت نفسه أنها تستطيع أن تكون صاحبة مشروع.
وحين دخلت ابنة الأسرة إلى المول أو الصيدلية أو المركز الطبي، بدأ المجتمع يعتاد المشهد. وهكذا تعمل الضرورة الاقتصادية، ببطء، على إعادة تشكيل العادات. لكن علينا أن نكون دقيقين هنا: الحاجة الاقتصادية لا تعني بالضرورة تحررًا اجتماعيًا كاملًا. فقد تعمل المرأة لأنها مضطرة، بينما تبقى السلطة الاجتماعية والاقتصادية في يد الرجل. وقد يكون عملها مرهقًا ومنخفض الأجر، وقد تجمع بين العمل خارج البيت والعمل المنزلي الذي لا يحصل على أجر. ولهذا فإن خروج المرأة إلى السوق لا يعني تلقائيًا وصولها إلى المساواة. لكنه يعني شيئًا مهمًا جدًا:
أن صورتها القديمة لم تعد قادرة على تفسير حياتها الجديدة.
وما يحدث اليوم في الجنوب ليس ثورة نسائية بالمعنى التقليدي. لا توجد مسيرات ضخمة ولا شعارات صاخبة. إنه تحول يحدث في تفاصيل صغيرة: امرأة تفتح هاتفها لترد على طلبية. أخرى تشغل ماكينة الخياطة.
ثالثة تضع الحناء لزبونة. رابعة تقف خلف مكتب في صيدلية. خامسة تعمل في مول. سادسة تبيع الخمير. سابعة تصنع العشار. وثامنة تدير مشروعًا لا يعرف الزبون فيه أنها كانت، قبل سنوات قليلة، ربة بيت لا أكثر. هذه التفاصيل الصغيرة، إذا جمعناها، تصبح ظاهرة اجتماعية كبيرة.
قبل سنوات، كان السؤال الذي يواجه المرأة: لماذا تريدين أن تعملي؟ أما اليوم، ففي كثير من البيوت بدأ السؤال يتغير إلى: أين ستعملين؟
وهذا فرق هائل. فالسؤال الأول يفترض أن العمل استثناء يحتاج إلى تبرير. أما الثاني فيفترض أن العمل أصبح حقيقة، وأن النقاش لم يعد حول وجوده، وإنما حول مكانه وطبيعته وأجره وساعاته وظروفه.
وهنا تكمن أهمية التحول الذي نشهده.
خرجت منه أولًا بعلبة بخور، ثم بصينية خمير، ثم بماكينة خياطة، ثم بهاتف تعرض فيه منتجاتها، ثم بمشروع صغير، ثم بوظيفة في صيدلية أو مول.
وبين خطوة وأخرى، تغير شيء في الأسرة، وفي السوق، وفي نظرة المجتمع.
ولعل أهم ما تغير هو أن المرأة الجنوبية لم تعد تُرى اقتصاديًا باعتبارها يدًا تساعد الرجل في إعالة الأسرة فحسب.
لقد بدأت تُرى بوصفها يدًا تستطيع أن تنتج، وتبيع، وتكسب، وتدير، وتعيل.
ومن هنا، فإن الحكاية الحقيقية ليست حكاية امرأة خرجت من البيت إلى السوق.
إنها حكاية مجتمع بدأ يكتشف أن المرأة التي كان يعتقد أنها جزء من اقتصاد البيت فقط، كانت في الحقيقة تحمل داخل البيت اقتصادًا كاملًا لم يكن أحد يحسبه. واليوم، وهي تخرج بذلك الاقتصاد إلى الشارع، بدأت مدن الجنوب تكتشفه معها.

زر الذهاب إلى الأعلى