مقالات وآراء

71 عامًا من نور البحث الزراعي في الكود

كتب: م. عبدالقادر خضر السميطي

في الخامس عشر من سبتمبر من كل عام، تتوقف ذاكرة الزراعة في أبين أمام محطة مضيئة من تاريخها ففي مثل هذا اليوم قبل واحد وسبعين عامًا، أُشعلت في مدينة الكود شمعة العلم والبحث الزراعي، بتأسيس واحد من أعرق مراكز البحوث الزراعية في الجزيرة والخليج.
71 عامًا ليست مجرد رقم يضاف إلى عمر مؤسسة، بل هي سبعة عقود وسنة من العمل والعطاء، ومن التجارب والدراسات، ومن الحقول والمختبرات، ومن العلماء والباحثين والمهندسين والفنيين والعمال الذين حملوا رسالة العلم، ووضعوا خبراتهم في خدمة الأرض والمزارع.
لقد كان مركز البحوث الزراعية بالكود، على مدى عقود، أكثر من مجرد مؤسسة بحثية كان ذاكرةً علمية لأبين، ومنارةً للزراعة في اليمن، وبيتًا للخبرة والمعرفة، وجسرًا يصل الباحث بالمزارع والحقل.
ومن هنا، كان يحق لنا أن نحلم بأن يكون الخامس عشر من سبتمبر هذا العام يومًا استثنائيًا يومًا تفتح فيه المؤسسة صفحات تاريخها، وتستعيد فيه حضورها، ويُحتفى بعلمائها وكوادرها، ويُكرّم فيه من رحلوا بعدما تركوا بصماتهم في سجل البحث الزراعي، ويُحتفى بمن لا يزالون يحملون الرسالة رغم قسوة الظروف.
وكان الأمل أن تتزامن هذه الذكرى مع تدشين المقر الرسمي للهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، تنفيذًا لقرار وزير الزراعة والري والثروة السمكية، بما يعيد للمركز حضوره المؤسسي ومكانته التي يستحقها، ويفتح أمامه الطريق لاستعادة دوره الريادي.
لكن المناسبة مرّت بهدوءٍ ثقيل…
لا احتفال يليق بواحد وسبعين عامًا من العطاء، ولا تدشين، ولا حتى كلمة وفاء أو برقية تهنئة تختصر شيئًا من تاريخ هذا الصرح.
وليس عتابنا هنا بحثًا عن مناسبة احتفالية عابرة، وإنما هو عتاب المحب على من يحب لأن المؤسسات العلمية لا تموت حين تتوقف مبانيها فقط، بل تبدأ في الغياب حين يغيب الاهتمام بها من الذاكرة العامة.
من حق الكود أن تفتخر
من حق الكود أن تفتخر بمركز كان يومًا عنوانًا للعلم الزراعي.
ومن حق أبين أن تحتفي بعلمائها وباحثيها.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن في هذه الأرض مؤسسةً سبقت كثيرًا من مؤسسات المنطقة في مجال البحث الزراعي.
ومن حق خريجي كليات الزراعة أن يجدوا أمامهم أبوابًا مفتوحة للبحث والتدريب والعمل، حتى يحملوا الراية من جيل إلى جيل.
ومن حق المشروعات العلمية الطموحة، ومنها قسم زراعة الأنسجة، أن تجد طريقها إلى التنفيذ، لتكون خطوةً جديدة نحو تطوير الإنتاج الزراعي ومواجهة تحديات المستقبل.
ومن حق رفاق المهنة الذين فرّقتهم السنوات والظروف أن يجتمعوا حول هذه الذكرى، يستعيدون أيامهم الجميلة، ويستحضرون أسماء من سبقوهم، ويكتبون معًا فصلًا جديدًا من حكاية الكود.
ورسالتنا ليست عتابًا فقط
إننا لا نريد أن نبقى أسرى للماضي، ولا أن نحول الذكرى إلى مناسبة للحزن.
بل نريد أن تكون الذكرى الـ71 نقطة انطلاق جديدة.
نريد مركزًا يعود إلى الحقل والمختبر، إلى المزارع والباحث، إلى التجارب والإرشاد، وإلى دوره في معالجة قضايا الزراعة التي تتفاقم يومًا بعد آخر: الجفاف، والملوحة، وتغير المناخ، والآفات، وتراجع الإنتاج، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية.
فالزراعة اليوم بحاجة إلى البحث العلمي أكثر من أي وقت مضى.
والمزارع بحاجة إلى مؤسسة علمية تقف إلى جانبه، لا تكتفي بتشخيص المشكلة، بل تبحث عن الحل وتضعه في يد المزارع.
رسائل مفتوحة… بروح الوفاء
إلى معالي وزير الزراعة والري والثروة السمكية:
إن الذكرى الـ71 ما زالت تحمل فرصة ثمينة لإعادة الاعتبار لمركز البحوث الزراعية بالكود، ودعم إدارته، وتمكينه من استعادة دوره، والمضي في تنفيذ المقر الرسمي للهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي.
إن أي خطوة في هذا الاتجاه ستكون رسالة وفاء للعلماء والباحثين، ورسالة أمل للأجيال الجديدة.
إلى الأخ محافظ محافظة أبين:
هذا الصرح جزء من تاريخ أبين الزراعي والعلمي، وواجهة من واجهاتها التي تستحق أن تستعيد بريقها.
إن دعم المركز وإحياء ذكراه الـ71 ليس تكريمًا لمؤسسة فحسب، بل هو تكريم لتاريخ المحافظة وعلمائها ومزارعيها.
إلى السلطة المحلية في مديرية خنفر:
أنتم الأقرب إلى هذا الصرح، والأولى باحتضان ذاكرته وحمايتها.
اجعلوا من هذه الذكرى بداية لتحرك يعيد للمركز حضوره، ويقرّبه من المجتمع الزراعي، ويجعله من جديد بيتًا للعلم والمعرفة وخدمة الأرض والمزارع.
داري على شمعتك تضيء
واحد وسبعون عامًا…
وما زالت الشمعة تستحق أن تُحمى من الريح.
ما زالت هناك كوادر تحمل الذاكرة، وباحثون يحملون الخبرة، وشباب يحملون الطموح، ومزارعون ينتظرون من العلم أن يفتح لهم أبواب المستقبل.
فلا تتركوا هذه الشمعة وحيدة.
داري على شمعتك تضيء…
ضعوا حولها ما يحميها، ومدّوا إليها ما يعيد وهجها، واجعلوا من الذكرى الـ71 بدايةً لعهد جديد، لا مجرد صفحة أخرى في كتاب الذكريات.
فالكود لا تستحق أن يُقال عنها: كان هنا مركز للبحوث الزراعية.
بل نريد أن نقول:
هنا كان… وهنا ما زال… وهنا سيعود مركزٌ للعلم، يخدم الأرض، وينصف المزارع، ويصنع للمستقبل بذرةً من نور.
كل عام ومركز البحوث الزراعية بالكود شامخًا بتاريخـه، وكل عام وعلماؤه وباحثوه وكوادره بخير، والرحمة والمغفرة لمن رحلوا وقد تركوا أثرًا لا يموت، والوفاء لكل يدٍ زرعت علمًا، وكل عقلٍ خدم الأرض، وكل قلبٍ أحب أبين وزراعتها.

م. عبدالقادر خضر السميطي دلتا أبين

زر الذهاب إلى الأعلى