القدرة على تحرير صنعاء.. هلوسات عليمية أم حقيقة؟

كتب: صالح الفضلي
يبدو أن صنعاء هذه الأيام تعيش أزمة جديدة لا علاقة لها بالكهرباء ولا بالرواتب ولا حتى بالحوثيين: أزمة انتظار الجيش الذي يردد رشاد العليمي إنه قادر على تحريرها!
ففي سبتمبر الجاري، لم يكتفِ رشاد العليمي بالحديث عن استعادة المبادرة، بل كرر أكثر من مرة أن القوات المسلحة قادرة على بسط سيطرة الدولة على كامل التراب اليمني. وفي أحدث تصريح له، أكد أن القوات تمتلك «الزخم والقدرة الكافية» لاستعادة المبادرة ميدانياً وبسط السيطرة على كامل البلاد.
والسؤال البسيط الذي قد يخطر ببال المواطن، وربما يخطر ببال سكان صنعاء أيضاً: إذا كان الجيش قادراً على تحرير الشمال كله، فلماذا لا يبدأ بصنعاء؟
لا أحد يطلب من العليمي، بطبيعة الحال، أن يحدد في التصريح الصحفي ساعة الصفر، ولا أن يكشف للحوثيين خطة الهجوم ومحاور التقدم. لكن المشكلة أن عبارة «قادرون على تحرير كامل الأراضي» أصبحت تتكرر إلى درجة تجعل المواطن يتساءل: هل نحن أمام جيش ينتظر الإذن بالانتصار، أم أمام انتصار ينتظر أن يصبح الجيش جاهزاً له؟
جيش قادر… ولكن! المفارقة أن العليمي لا يتحدث عن حلم بعيد. هو يتحدث عن قوات يقول إنها انتقلت من احتواء هجمات الحوثيين إلى استعادة المبادرة وتعزيز قوة الردع.
حسناً. إذا كانت المبادرة قد عادت، والردع قد تعزز، والزخم موجود، والقدرة متوفرة، فماذا بقي؟
ربما بقي شيء صغير جداً اسمه الحرب نفسها! فالمشكلة في اليمن ليست أن أحداً لا يعرف الطريق إلى صنعاء. الطريق معروف، والخرائط موجودة، والجبهات موجودة، والسلاح موجود، والجنود موجودون.
الذي ينقص، على ما يبدو، هو أن تتحول «القدرة» من جملة في بيان إلى قوة فعلية تستطيع تحقيق هدف عسكري كبير والمحافظة عليه. فالسيطرة على موقع أو مديرية شيء، والوصول إلى صنعاء شيء آخر تماماً صنعاء ليست حيس، وليست موقعاً عسكرياً يمكن رفع العلم فوقه ثم العودة إلى الفندق لكتابة بيان النصر.
صنعاء هي مركز ثقل سياسي وعسكري وسكاني. والوصول إليها يحتاج إلى قيادة موحدة، وخطوط إمداد آمنة، وتنسيق بين القوى العسكرية المختلفة، وقدرة على تحمل حرب طويلة.
وماذا بعد تحرير صنعاء؟ وهنا تبدأ الكوميديا السوداء الحقيقية. لنفترض، جدلاً، أن القوات المناهضة للحوثيين دخلت صنعاء غداً. ماذا سيحدث؟ من سيديرها؟ ومن سيكون صاحب القرار؟ ومن سيقود الجيش؟ ومن يضمن ألا تتحول القوى التي قاتلت الحوثيين إلى قوى تتقاتل فيما بينها على غنيمة النصر؟
وماذا عن الجنوب؟ وماذا عن مأرب وتعز والحديدة؟ وهل سيقبل الجميع بصيغة سياسية واحدة ودولة واحدة بعد الحرب؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً. إنها جوهر المشكلة.
وسؤال آخر مهم: بيد من فرامل الحرب فعلا؟ ثمة احتمال آخر أكثر إثارة للاهتمام. ربما لا تكون المشكلة في السلاح ولا في الجنود، وإنما في قرار الحرب. فما يسملا بالحكومة الشرعية لا تتحرك في فراغ إقليمي. والعليمي نفسه يربط استعادة الدولة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ويطالب المجتمع الدولي بتضييق شبكات تمويل وتسليح الحوثيين.
كما أن رويترز نقلت هذا الأسبوع أن العليمي طلب دعماً عسكرياً أميركياً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يقدم التزاماً بدعم عسكري مباشر ضد الحوثيين. وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً: قد يكون الجيش قادراً على القتال، لكن هل يستطيع أن يخوض حرباً شاملة من دون غطاء إقليمي ودولي؟
والأهم: هل تريد كل الأطراف الإقليمية والدولية أصلاً حرباً شاملة تنتهي بسقوط الحوثيين، أم أن بعض هذه الأطراف يفضل إدارة الصراع ومنع انفجاره على حسمه؟
لا نملك دليلاً كافياً للجزم بالإجابة. لكن المؤكد أن العليمي ليس صاحب القرار الوحيد في الحرب اليمنية. والمشكلة ليست دائماً في الحوثي
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية. حتى التقارير التي تناولت الانتكاسات الأخيرة في المعسكر المناهض للحوثيين أشارت إلى مشكلات تتعلق بتعدد القوى وضعف التنسيق وغياب القيادة الموحدة. وقد وصفت «الغارديان» الانهيار العسكري الأخير بأنه كشف الحاجة إلى إعادة تنظيم القوات وتوحيد القيادة والتخطيط الاستراتيجي.
وهل اتخذ القرار السياسي فعلاً بتحرير صنعاء؟ فالقدرة العسكرية من دون قرار سياسي تظل قدرة مؤجلة. والقرار السياسي من دون قيادة عسكرية موحدة يبقى شعاراً. والقيادة العسكرية من دون توافق إقليمي قد لا تستطيع الذهاب بعيداً. والانتصار العسكري من دون دعم دولي ومشروع سياسي لليوم التالي قد يكون مجرد تذكرة ذهاب إلى حرب جديدة.
ولهذا فإن تصريحات العليمي المتكررة عن القدرة على تحرير كامل اليمن ينبغي أن تُقرأ باعتبارها رسالة سياسية وعسكرية، لا باعتبارها دليلاً مكتفياً بذاته على أن الطريق إلى صنعاء أصبح مفتوحاً. العليمي قال في 5 سبتمبر إن الدولة ملتزمة بتحرير كامل الأراضي، ثم كرر في 7 و17 و24 سبتمبر الحديث عن استعادة المبادرة والسيطرة على كامل التراب الوطني. لكن المواطن، الذي سمع بيانات الانتصار طوال سنوات، قد يكون أكثر تواضعاً في طلبه.
أما أن نسمع كل أسبوع أن الجيش قادر على تحرير اليمن كله، بينما تبقى صنعاء في مكانها، فهذه تجعل المواطن أمام معادلة عسكرية طريفة: الجيش قادر على تحرير صنعاء، وصنعاء قادرة على الانتظار… والمواطن وحده غير قادر على الانتظار أكثر.
والفاصل بين «نستطيع» و«فعلنا» هو بالضبط المسافة التي يجب أن تقطعها الجيوش، لا البيانات.
ويبدو أن علينا من الآن وصاعد أن نضع بيانات العليمي في خانة الهلوسات أو أحلام اليقظة.