أولوية صرف المليارات: دعم للجبهات أم لمواصلة مسرحية مجالس التنسيق بالمحافظات؟

بقلم: صالح الفضلي
في اليمن، يبدو أن الحرب لم تعد تحتاج إلى سلاح وجنود بقدر حاجتها إلى مجالس ولجان وفرق تنسيق واجتماعات ومحاضر وتوصيات. والهدف، كما يبدو، ليس فقط إدارة المعركة، بل تشويه الواقع وتفريخ أكبر عدد ممكن من الكيانات والدمى الصورية، حتى يصبح لدينا جيش من المجالس لا جيش على الجبهات.
فكلما اشتدت الحاجة إلى فعل عسكري حقيقي، ظهر مجلس تنسيق جديد بالمحافظة لتنسيق الفعل! وكلما تحدث المسؤولون عن ضرورة دعم الجبهات، وجدنا أنفسنا أمام اجتماع جديد يبحث في «آليات الدعم» و«تعزيز التنسيق» و«توحيد الجهود». وبدلاً من أن يأتوا لنا بالذخيرة، يأتون لنا بمجلس جديد لتنسيق المجالس وتمزيق الصف تحت لافتة العمل المؤسسي.
والسؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى مجلس تنسيق بالمحافظة، ولا إلى لجنة، ولا إلى مؤتمر، ولا حتى إلى اجتماع عبر الاتصال المرئي هو:
كم من الأموال يجب أن تُصرف على التنسيق قبل أن يصل شيء فعلي إلى الجبهة؟.قبل شهر بدأت المسرحية في حضرموت وامس فشلت في جعار فنقلوها إلى زجبار.
وقبل أسبوع فرخت لجنة إشرافية لدعم وإسناد الجبهات اجتماعها الأول في عدن، وأعلنت أن مهمتها تشمل الربط والتنسيق والمتابعة والحشد، وتحويل المبادرات والإمكانات إلى أثر يصل إلى المقاتلين.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
فالمقاتل في الجبهة لا يحتاج إلى «تنسيق» بقدر ما يحتاج إلى راتب منتظم، وذخيرة، وغذاء، وطبابة، ووسائل اتصال، وتجهيز عسكري، وقيادة واضحة.
أما المواطن في عدن أو المكلا أو مأرب، فلا يحتاج إلى أن يعرف عدد مجالس التنسيق بالمحافظات التي اجتمعت، ولا عدد الكراسي التي شُغلت حول الطاولة، بل يريد أن يعرف: ماذا وصل إلى الجبهة؟
من صناعة المجالس إلى صناعة القوة
ليس الاعتراض على وجود التنسيق من حيث المبدأ؛ فالجيوش الحديثة تحتاج إلى قيادة موحدة وإدارة وعمليات وإمداد.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين التنسيق الذي يخدم الميدان والتنسيق الذي يتحول إلى نشاط قائم بذاته، له موازنته ومحاضره وصوره التذكارية وربما ناطقه الرسمي.
الأمم المتحدة نفسها أشارت في أغسطس 2026 إلى تصاعد النشاط العسكري على عدد من الجبهات اليمنية، ودعت إلى استخدام آليات التنسيق العسكري القائمة لمنع التصعيد.
وفي المقابل، تشير دراسة لمركز صنعاء إلى أن إعادة هيكلة القوات الحكومية خلال 2026 مرتبطة بصورة مباشرة بمسألة توحيد القيادة والتجهيز والرواتب، وأن الدعم المالي السعودي أصبح عاملاً حاسماً في قدرة الحكومة على دفع الرواتب والمحافظة على المؤسسات العسكرية والأمنية. وتقدر الدراسة الدعم السعودي المخصص لرواتب القطاع العام اليمني في 2026 بنحو 3 مليارات دولار.
إذن القضية ليست نقصاً في الكلمات الكبيرة لدينا «استعادة الدولة. لدينا «توحيد الصفوف. لدينا «رفع الجاهزية. لدينا التنسيق والتكامل. لدينا «الحشد والإسناد ولدينا، فوق ذلك كله، مجالس تنسيق بالمحافظات تنسق ما سبق أن نسقته اللجان، وتتابع ما ستتابعه الفرق، وتعيد صياغة ما ورد في المحاضر السابقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه. أين القوة التي يفترض أن تنتجها كل هذه العبارات والمجالس؟
الجبهة لا تقرأ محاضر المجالس
المقاتل في الجبهة لا يستطيع أن يأكل «خطة تنسيقية»، ولا يستطيع أن يقاتل بـ«آلية عمل مؤسسي»، ولا أن يحتمي بقرار صادر عن مجلس تنسيق بالمحافظة. الجبهة تحتاج إلى نتائج قابلة للقياس. كم جندياً استلم راتبه؟ كم وحدة عسكرية تم تجهيزها؟ كم عربة أصبحت صالحة للعمل؟ كم مستشفى ميدانياً جُهز؟ كم كمية من الذخائر والوقود والمواد الطبية وصلت فعلاً إلى مواقع القتال؟كم وحدة عسكرية أصبحت تعمل تحت قيادة عمليات واحدة؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح على أي مؤسسة تنفق المال باسم دعم الجبهات.
أما عدد الاجتماعات وعدد الحاضرين وعدد البيانات الصادرة وعدد مجالس التنسيق بالمحافظات، فهذه أرقام تصلح لوزارة الإعلام أكثر مما تصلح لوزارة الدفاع.
المشكلة ليست في المليارات وحدها
الأخطر من حجم الأموال هو طريقة تحويل المال إلى قدرة عسكرية فالدراسة الصادرة عن مركز صنعاء تشير إلى أن قدرة الحكومة على دفع الرواتب وإدارة قواتها ما تزال مرتبطة بصورة كبيرة بالدعم السعودي، خصوصاً بعد توقف صادرات النفط منذ 2022 بسبب هجمات الحوثيين وفي سبتمبر الجاري، تحدثت تقارير عن استمرار العمل السعودي ـ اليمني على تعزيز جاهزية القوات وتوحيد الصفوف وإعادة تأهيل الوحدات العسكرية.
وهذا يعني أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الجبهة، وإنما أيضاً في طريقة إدارة الموارد التي يفترض أن تجعل الجبهة قادرة على القتال.
فإذا كانت هناك مليارات، ثم ظلت الوحدات العسكرية تعاني من نقص الرواتب والتجهيز، فالمشكلة لا تكون بالضرورة في حجم التمويل وحده، وإنما في سلسلة الإدارة والتوزيع والرقابة والأولوية، وربما في كثرة المجالس التي تتولى التنسيق حتى يضيع الدعم بين أبوابها.
ويا ترى هل سنحتاج إلى مجلس تنسيق آخر؟
السؤال الذي ينبغي طرحه الآن ليس: هل نحتاج إلى مجلس تنسيق جديد بالمحافظات والمدن؟ بل هل تحتاج الجبهات إلى مجلس جديد، أم تحتاج إلى أن تحصل على ما لديها من موارد بصورة مباشرة ومنظمة وقابلة للرقابة؟
إذا كان المجلس الجديد سيختصر الإجراءات، ويمنع الازدواجية، ويكشف أين تذهب الأموال، ويضمن وصول الدعم إلى المقاتلين، فهو يؤدي وظيفة يمكن قياسها.
أما إذا أصبحت مهمته عقد الاجتماعات لمناقشة اجتماعات أخرى لتنسيق لجان سابقة، فإننا سنكون أمام نسخة جديدة من المسلسل اليمني الطويل:
«مجلس تنسيق بالمحافظة ينسق مجلساً، ولجنة تنسق لجنة، وفريق يتابع فريقاً، والجميع ينتظر محضر الاجتماع المقبل»!
وفي النهاية يسأل المقاتل أين الذخيرة؟ فيأتيه الجواب:
تم تشكيل مجلس تنسيق بالمحافظة لمتابعة لجنة ستبحث آلية وصولها!
الأولوية للنتيجة لا للهيكل
البلاد لا يحتاج في هذه المرحلة إلى تضخيم الهياكل الإدارية بقدر ما يحتاج إلى تحويل الموارد إلى قدرة حقيقية وتمويل الجبهات ودفع مستحقات المجندين واحتياجاتهم اللوجيستية.